محمد عبد المحسن

شهيد الفن الفنان محمد عبد المحسن

الفنان الكبير محمد عبد المحسن من الموسيقين الكبار ومبدع كبير الا انه ظلم إعلامياً ، لحن العديد من الاغنيات وغنى القصائد بادائه العذب واحساسه المرهف ولكن لا يعرفه الكثير من ابناء هذا الجيل رغم ان اغانية عشقها الشباب وحملتها اجيال بعد اجيال ولا تزال تغنى ويترنم بها شباب اليوم.

ولد محمد عبدالمحسن في بغداد في العام 1928وهو مطرب وملحن من جيل الخمسينيات ومن الذين قدموا الاغنية البغدادية بطابعها الجميل المعبرة عن روح المجتمع البغدادي الاصيل من حيث اللهجة البغدادية الاصيلة والانغام والايقاع العراقي الجورجينا ، يمتلك خامة صوتيه مهذبه ومثقفه ونقية وأداءه فية الطرب والشجن العراقي ، مساحته الصوتية مكنته من إداء الوان الغناء العراقي الجميل البغدادي والموصلي على حد سواء.

تخرج من معهد الفنون الموسيقية الذي كان يترأسه الشريف محي الدين حيدر حيث درس على يده العزف على آلة العود ، وبعد تخرجه دخل الاذاعة وانضم الى فرقة الموشحات الاندلسية التي كان يقودها الشيخ علي الدرويش والموسيقار روحي الخماش . 

مارس الغناء وهو بعمر الثماني سنوات حيث غنى انشودة من ألحان الرائد سعيد شابو عنوانها : للمسير أيها الجيش الصغير تربى و عاش في بيئة شعبية مكتضة بالناس والمحلات مثل محلة الشيخ عبد القادر الكيلاني و منطقة الشريعة في جانب الكرخ ، مما تركت اثراً كبير على الحانه . عشق المقام منذ صغرة و بالاخص بطريقة الرائد المقامي الكبير رشيد أفندي القندرجي وطريقة الراحل عبد الأمير الطويرجاوي في الغناء الريقي

 تعرف على الاصوات الكبيرة عن طريق الكرامافون وعشق غناء صديقة الملاية و تعرف على الغناء العربي فأستمع الى فريد الاطرش ومحمد عبد الوهاب وفيروز وعشق الحان الرحبانية وغناء فيروز .

روي الفنان محمد عبد المحسن هذه الطرفة حيث قال :

كنت بعمر صغير وبينما كنت أسير، وصلت إلى مقهى حسن عجمي في شارع الرشيد، عبرت الشارع ، ودخلت المقهى رأسا دون سلام ولا كلام ، وكان المقهى يعج بكبار القوم من الشعراء والأدباء وكبار السن ، ورحت استمع لصوت المطربة سليمة مراد ، غير مبال لنظرات جلاس المقهى وأستغرابهم من هذا الطفل الذي اقتحم عليهم خلوتهم وانسجامهم مع صوت سليمة مراد وجرأته وجلوسه بينهم ، رأيت رجلا يجلس بمهابة على منصة عالية وأمامه جهاز الكرامفون مع عدد كبير من الاسطوانات السود والتي كانت تسمى (أم الجلب) اقتربت من الرجل ، وسألته بحرارة : كيف تغني هذه المطربة داخل هذا الصندوق الصغير؟! فضحك مني وقال: روح بابه روح.. أمك أدور عليك. وخرجت من المقهى حزيناً، وقد صممت على شراء هذا الجهاز من يومياتي (الخرجية)، وبعد مدة تمكنت من شرائه ، وكان جهاز الكرامفون كنزي الذي اطلعني على كبار المطربين والمطربات ، حتى تمكنت من تقليدهم من خلال استماعي لهم والغناء معهم وفي نفس الوقت كان التقليد مفيداً لي كونه يشكل أهم تمارين الصوت والإلقاء السليمين.

درس على يد كبار الموسيقين امثال الموسيقار الكبير الشريف محي الدين حيدر والشيخ علي الدرويش والاستاذ روحي الخماش و درس العود والصولفيج وتعلم قراءة النوتة وعشق فن الموشحات .

محمد عبد المحسن – موشح حامل الهوى تَعبُ

شعر : ابو نؤاس

الحان : الموسيقار روحي الخماش

 

كان أول دخوله الاذاعة محترفاً بصفة (كورس) حاله حال زملائه خزعل مهدي وجميل سليم وعدنان محمد صالح وحمدان الساحر وجميل جرجيس وجميل قشطة ومحمود عبد الحميد ومحمد نوشي وجمال جلال وكنعان محمد صالح وداود العاني ومحمد رمزي واحمد الخليل وصلاح وجدي ومحمد كريم. وكان الحال عندما يتقدم احدهم يغني انفرادياً اغنيه من اغانية الخاصة به يصطف الآخرون وراءه (كورس)ً ودام هذا الحال إلى سنة 1968 حيث تألف لأول مرة (كورس) خاص بالاذاعة، وبهذا التشكيل الجديد أتيح لهؤلاء المطربين التفرغ بشكل كامل لأغانيهم وألحانهم وادارة شؤونهم الشخصية.

في سنة 1948 انضم إلى رفاق الفن في فلسطين للإسهام في الترفيه عن الجيش العراقي الموجود هناك مع الفنان الراحل يحيى حمدي واحمد خليل ومحمد كريم وحمدان الساحر وسعيد العجلاوي وحضيري أبو عزيز وناصر حكيم وداخل حسن وخزعل مهدي ومجموعة كبيرة أخرى من الفنانين العراقيين. هناك غنى عبد المحسن أولى ألحانه وكانت بعنوان (فلسطين فداك كلنا) .

لحن العديد من الاغنيات ومن أشهر اغانيه التي أداها بصوته أغنية ( يا بو المشحوف تانيني) التي غناها ايضاً المطرب اسماعيل شبانه شقيق عبدالحليم حافظ عندما جاء الى بغداد.

واغنية (سلم بعيونك الحلوة) – غنتها فيما بعد الفنانه أمل خضير

وأغنية ( احاول انسى حبك) وقد غنتها الفنانة امل خضير ايضاً ، كما يصفها الاستاذ عادل الهاشمي كانت في وقتها من الاغاني الوقورة الفياضة بعناصر الجمال، اما المذهب فهو استرجاع حقيقي لصورة التماسك اللحني الذي حاول محمد عبدالمحسن ان يختص بها في اغانيه البغدادية ذات النكهة المميزة الخاصة.

غنت له كذلك المطربة امل اخضير أغنية (طيبة يا حبايب والله طيبة) باللهجة الموصلية ، وكذلك لحن باللهجه الموصلية اغنية ( يلة على حمام علي ) واغنية (اشكان الدلال اشكانت اسبابُ) .

لحن للعديد من المطربين العراقيين منهم ياس خضر وعفيفة اسكندر ومائدة نزهت وزهور حسين وهناء مهدي وغيرهن ، ومن المطربين العرب غنت له المطربه مها الجابري وسميرة توفيق ومها صبري ومصطفى كريدية ونصري شمس الدين وغيرهم .

تحدث عن سر حبه وولعه بالغناء فكان كثيراً ما يردد الحكاية التالية:

كنت وما أزال مولعاً بكل فنان أصيل، وكان قد ذاع صيت (المونولوجست) الأول عزيز علي خاصة رائعته المسماة ( شوباش.. شوباش.. كلفتنه المدنيّة بلاش.. شوباش.. شوباش.. ) فوقفت أمام احد الدكاكين الذي كان ينطلق منه صوت المبدع عزيز علي من خلال المذياع بقيت واقفاً استمع بكل شغف لأغنية شوباش حتى خرج صاحب الدكان صائحاً بوجهي : ((اشكدك واتريد تصير حرامي ودفعني بعيداً، لم أكتفي بالسماع ليته تركني مع ولعي .... الله يسامحه)).

ظهر الفنان محمد عبد المحسن في العديد من المسلسلات التلفزيونية بادوار غنائية تراثية وحديثة وكذلك في الحلقات التي رافقت اول تشكيل لفرقة الموشحات العراقية الثانية ( فرقة ابناء دجلة ) في فترة الستينيات من القرن الماضي، والتي اسسها الفنان الراحل روحي الخماش، وضمت الفرقة كبار المطربين والملحنين والموسيقيين أمثال احمد الخليل وجميل سليم ومحمد عبد المحسن ورضا علي واحمد سلمان وبقية المطربين المعروفين

كما ظهر في العديد من البرامج التلفزيونية مثل برنامج سيرة فنان ، وبرنامج أصوات وانغام وبرنامج من طرفنا من اعداد الفنان الكبير خليل الرفاعي وبرنامج ألوان من اعداد الموسيقار روحي الخماش وفؤاد فتحي وبرنامج بطاقات ملونة من اخراج عماد بهجت ومن تقديم الفنان عباس جميل. ومن اسهامات الفنان عبد المحسن المهمة اشتراكه بتلحين (اوبريت) بغداد سنة 1977 وسافر مع ملاك الفنانين إلى مناطق شفاثة (عين التمر) وأهوار الحويزة والحمار وهور رجب، واماكن منتخبة من السليمانية والموصل واربيل ودهوك ومصايف صلاح الدين وسرجنار وسرسنك وشقلاوة وآشاوه وعين ترمة والبادي وعقرة والعمادية، حيث سجل وصور هذا (الاوبريت) الكبير باشتراكه مع جمهرة كبيرة من الفنانين منهم الدكتور خالد ابراهيم وحميد البصري ورضا علي وياسين الراوي وروحي الخماش، ومجاميع من الراقصين والممثلين العراقيين.

في صبيحة الثالث والعشرين من شهر نيسان 1983 انطفأت شمعة هذا الفنان المعطاء وهو لم يبلغ سوى الخامسة والخمسين من عمره ، اذ كان يتناول فطوره في شقة الفنان الراحل كنعان وصفي، وكان يلح على وصفي ويستعجله في الذهاب إلى الاذاعة، وكان كنعان يستمهله حتى يتم من حلاقة وجهه، لكن (محمد عبد المحسن) ترك الشقة على عجل شديد وكأنه على موعد مع القدر، فما ان دخل الاذاعة حتى انفجرت سيارة مفخخة وأصيب فناننا اصابات بليغة ، نقل على أثرها إلى المستشفى وكان في غيبوبة عميقة لاكثر من يوم حتى وافته المنية.

تهيئة الطابعة   العودة الى الصفحة السابقة