ظل صوت المطرب يحيى حمدي ولفترة طويلة احد اهم الاصوات العراقية المتميزة التي حفرت وجودها عميقا في ذاكرة ووجدان المستمع العراقي.. وهنا في هذا الموضوع سنتتبع حياة يحيى حمدي خطوة خطوة لكي يعرف القارئ تاثير البيئة الشعبية وكذلك شغف المطرب وحبه للموسيقى والغناء الذي جعله فيما بعد في الصف المتقدم لمطربي مرحلة الاربعينيات.
ففي عام 1946 اكتشف انه موهوب وذو صوت جميل عذب بعد ان كان يعيش حيث ولد في محلة المربعة وهي احدى مناطق بغداد الشعبية.. ذلك الحي الشعبي القريب من شارع الرشيد وحين اكتشف موهبته الغنائية في تلك الفترة تقدم ليغني الاناشيد الوطنية واغاني الطفولة في الاذاعة الكائنة في منطقة الصالحية ضمن برنامج مخصص للصغار.
وبعد ان انهى المرحلة الابتدائية من دراسته تم تعيينه في امانة العاصمة بصفة مراقب بلدية.. فيما كان اثناء ذلك يغني في دار الاذاعة العراقية بعض الاغاني المستمدة من المقام العراقي الذي يشتمل على عدة فروع وانغام اصيلة ومن الحانه هو..
حفظ اللحن عن ظهر قلب
والمعروف عن بدايات المطرب والفنان الكبير يحيى حمدي انه لم يكن يجيد العزف على آلة العود لكنه مع ذلك كان يحفظ اللحن عن ظهر قلب ويردده للاصدقاء المقربين من المولعين بالموسيقى والغناء العراقي الاصيل وفي السياق ذاته كان يضطر غالبا الذهاب الى الملحن جميل سليم والذي يسكن في محلة العمار القريبة من محلة المربعة ليكتب له نوطة اغانيه على خلفية دراسته للموسيقى آنذاك.
ومن سيرته ايضا انه عندما كانت الاذاعة العراقية تبث برامجها على الهواء عام 1948 دون تسجيل فقد غنى مطربنا لفلسطين السليبة منذ ذلك الوقت البعيد.
مفارقات حزينة
ومن بين المفارقات الحزينة التي تذكر مع ذكر حياة الفنان الرائد يحيى حمدي هي انه عند انتهائه من وصلته الغنائية في الاذاعة العراقية يتقاضى بعدها مبلغا قدره اربعة دنانير يستلمها مباشرة، ساعتها يقوم باضافة دينار واحد من جيبه ليعطيها للفرقة الموسيقية التي كانت تعزف وراءه حينما كان اجرها يبلغ خمسة دنانير.
وكان رحمه الله يقطع المسافة من بيته الواقع في منطقة المربعة الى دار الاذاعة عبر جسر الاحرارمن جهة الرصافة مشيا على الاقدام تواصلا مع فنه.. ومما يذكر عنه انه قد تشاجر مع ضابط امن الاذاعة شجارا عنيفا في تلك الفترة بسبب اغنية اداها على الهواء وكانت كلماتها تمس النظام الملكي.
من مراقب بلدي الى مطرب معتمد في الخمسينيات ولما جزع يحيى حمدي من عمله في امانة العاصمة بصفة مراقب بلدية ونتيجة للضغوط الاجتماعية التي كان يتعرض لها في الاحياء والازقة البغدادية التي كانت تعيب على المرء الغناء اضطر لنقل خدماته للاذاعة العراقية حيث كان في حينها مخرجا موسيقيا لما يمتلكه من حس موسيقي رائع، وينقل عن المطرب والفنان الخالد يحيى حمدي انه كان مجنونا يحب والدته حيث كان يرعاها ويحمل لها حبا عظيما ولكنه وبعد رحيلها عن الدنيا عاش بعدها وحيدا حزينا مكنفئا على النفس حيث اثرت واقعة رحيل امه على الحانه التي اتسمت فيما بعد بطابع الحزن والاسى نتيجة ذلك..ويؤكد المقربون للفنان ان الحانه فعلا قد تغيرت فيما لو قورنت باغانيه الاولى مثل (زعلانه وانتي المنى) و(لو كتلك حبيبي عيني فدوه) و(يا زارعين الورد) التي عدت في حينها من اجمل الاغاني الصباحية وكذلك اغنية (انت وبس غيرك لا..) التي غناها في مرحلة شبابه على خلفية حب ملأ قلبه لامرأة يهودية كانت تسكن منطقة الاعظمية..
ولو قارنا حقيقة كل تلك الالحان التفاؤلية بالحانه اللاحقة التي ظهرت في الستينيات لوجدنا مسحة الحزن في اغانيه عبر مرحلة حزنه الكبير على فقدان امه واضحة جدا مثل (جينه ومالكينه لو ندري مجينه) وهي من نغم المخالف وكذلك اغنية (اني من يسأل عليه) واغنية (التوبه التوبه يا ناس) لوجدنا هنا الفارق واضحا خاصة في اغنية (ردتج دوم يمي بافراحي وهمي.. يا عيني يا امي)
يحيى حمدي والحان عديدة لمطربين عرب
عاش يحيى حمدي حياته وحيدا بعد وفاة امه.. وكان ذا روح شفافة متناسية على مر الايام والسنين لكنه ولفرط ما احب فنه فقد جذبت الحانه عددا من المطربين العرب.. فقدم لهم الحانا رائعة استقرت في ذاكرة الناس ومن بين اولئك الذين لحن لهم المطربة المصرية (نرجس شوقي) التي كانت زوجة المطرب الشعبي المصري المعروف محمد عبدالمطلب.. عندما كانت تقيم في بغداد، فيما كان اول لحن قدمه لها هو قصيدة (نهج البردة) حتى توالت الحانه لها لإعجابه بصوتها على الرغم من انها كانت لا تجيد القراءة او الكتابة لذلك كان يجد صعوبة بالغة في تحفيظها الكلام.
كذلك لحن يحيى حمدي للمطربة الكبيرة (انصاف منير) وقد غنى معها (ديالوج كلام الناس).. وكانت تعد اروع حوارية لحنية قدماها على شاشة التلفزيون وعلى الهواء مباشرة وللاسف لم تسجل لهما هذه الحوارية العاطفية التي ادياها بعذوبة واحساس عظيم وقد كانت له ملاحظة على (انصاف) بكونها غير جميلة لكن صوتها كان ساحرا ومؤثرا في النفس والوجدان مما دفعه ليلحن لها ديالوج اخر على الطابع الاول ذاته ليتهادى لحنه الى الاسماع من خلال ذلك الصوت النسوي العذب والرخيم.
أمنيات السفروالإعجاب بفريد الاطرش
وعلى شهرة يحيى حمدي كمطرب وملحن فقد كتب عليه الا يحقق امنية السفر الى الخارج مثلما كان لا يبارح بيته الا بالضرورة وكان غالبا ما يستمع في الليالي وعبر المذياع الى صوت الفنان الكبير فريد الاطرش خلال حفلاته التي كانت تقام تحت اسم (شم النسيم) التي كانت تذاع من اذاعة صوت العرب في مصر فضلا عن ذلك كان عاشقا لصوت المطربة صباح فضلا عن حبه الجنوني لصوت فريد الاطرش الذي كان يحرص على غناء بعض اغاني فريد الاطرش بين جمع من المحبين والاصدقاء وغير مرة ومن بينها الاغنية الشهيرة (بنادي عليك) الا انه غناها او اداها بصوته الخالص مما اضاف عليها حلاوة لا توصف وعندما كان يغني كان يطرق الايقاع بقدميه ويديه ومن ثم يؤدي الوصلات الموسيقية للاغنية بصوته.
فيما بعد مرحلة الستينيات قام بتقديم الحان لمطربين شباب من بينهم المطرب جاسم الخياط التي كانت بعنوان (هجرت الحب واسم الحب) التي غناها بصوته قبل ذلك.
شعور بالعزلة سئم مطربنا الكبير يحيى حمدي الوحدة وتنقل في اكثر من مكان في مدينة بغداد لتقدمه في السن خلال السبعينيات وهو ما يزال موظفا في الاذاعة العراقية.. مما اضطره هذا الاحساس بالعزلة والانطواء الى البحث عن امرأة تصلح لان تكون زوجة له لكنه ورغم هذه الحاجة الملحة لم يتنازل عن شروطه التي كان يتوسمها بهذه الزوجة الموعودة ومن بينها ان تكون صغيرة السن وفاتنة والاهم من كل ذلك من ربات البيوت المحافظات وبناء على ذلك فان البعض من اقاربه انتخبوا له واحدة على قدر كبير من الجمال والعفة الامر الذي شجعه على الاقتران بها وهو في سن متأخرة .
في الثمانينيات كان يحيى حمدي يمضي اوقاته قبل بدء دوامه في الاذاعة عند صديقه صاحب صيدلية الحكيم وهو لا يدري بان صاحبه هذا متهم بارتباطه بحزب الدعوة الذي كان محظورا في حينه ولهذا لم يكن يحيى يعلم بانه كان مراقبا وتحوم حوله الشبهات من قبل المحيطين به والمرتبطين بالسلطة خارج دائرة عمله وداخلها في الاذاعة التي كان يعمل فيها مخرجا وموسيقيا ويعيش على الكفاف وربما اقل من الكفاف وهو الذي خدم الحركة الموسيقية العراقية طوال اربعة عقود المهم انه وبعد ان تكيف مع وضعه العائلي الجديد وهو في العقد الستيني من عمره وانشغل بشؤونه الاسرية ومتاعب الحياة التي لا تنتهي قضى مجمل ايامه ما بين البيت والوظيفة التي كان عائدها المادي لا يشبعه واسرته وعلى هذا المنوال من نمطية الحياة بدأ مقلا في الالحان والنتاج الموسيقي خاصة بعد ان واجه تعاليا واضحا عليه من قبل رئيس قسم الموسيقى والغناء الفنان طالب القره غولي في سنوات الثمانينيات عندما راجع القسم الذي يرأسه طالب لياخذ موعــدا على تســجيل احد الحانه واجهه رئيس القسم بعدم رد السلام عليه واشاح بنظره عنه باتجاه اخر متجاهلا وجوده في القسم.. تلك الواقعة خلفت في نفس الفنان يحيى حمدي جرحا عميقا وجعلته يكف عن تقديم الألحان والنتاج الغنائي عمومـا والذي اثر عليه أكثر في تجاهل المعنيين بالإذاعة له هو عدم مشاركته في حملة أغاني الحرب التعبوية.
أغنية فدوة فدوة - الحان وغناء يحيى حمدي
أني من يسأل عليَّ - الحان وغناء يحيى حمدي
المطربة نرجس شوقي "يا جيرة البان" - الحان الفنان يحيى حمدي