منير بشير الموسيقار العراقي وعازف العود المشهور، ولد في الموصل عام 1928 وتوفي في 28 / أيلول ـ سبتمبر عام 1997، كان والده يعمل في صناعة بعض أنواع الآلات الموسيقية الوترية كالعود، وكان والده عازفا ومغنيا أيضاً.
درس الموسيقى مع اخية جميل بشير في معهد الفنون الجميلة وعلى يد الموسيقار وعميد المعهد الشريف محي الدين حيدر ، وهو خريج المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة في أواخر أربعينيات القرن الماضي وقام عند عودته بالتدريس في معهد الفنون الجميلة في عصره الذهبي لمادة الموسيقى والصولفيج وتخرج على يده العديد من موسيقي تلك الأيام، مرحلة ازدهار الفن العراقي الأصيل.درس فن الموسيقى في أرقى المدارس النموذجية في بغداد (أسس مدرسة الموسيقى والباليه مع الفنان المونولجست عزيز علي ) فأنشأ بذلك جيلا من محبي ومتذوقي الموسيقى، ويعتبر من العازفين المؤثرين في الموسيقى العربية في العصر الحديث
أعمال منير بشير
موسيقي أكاديمي, ملحن, كاتب أغاني وأوبريت, قصص وروايات, سيره ذاتيه, شاعر, أديب, فنان شامل لكل الفنون والآداب
عمل في التدريس والتأليف الموسيقي للكثير من الأناشيد الوطنية للمدارس ورياض الأطفال والتي لا زالت آثارها باقية في ذاكرة العديد من الناس الذين عاصروها خلال تلك الفترة, وكذلك كان أستاذاً في معهد الدراسات النغمية وأكاديمية الفنون الجميلة, في العقد الأخير من عمره لم يكن يميل للظهور الفني في وسائل الإعلام, لأنه لم يكن راضياً بالمستوى الفني, فقضي أيام شيخوخته يستذكر العديد والكثير من الحوادث والقصص والذكريات التي مرت عليه منذ صباه في مدينته ومسقط رأسه الموصل وقد قام بتدوينها على شكل مجموعات لكل حقبه من حياته.
حياته
يعتبر منير بشير الابن الثاني لعائلة بشير القس عزيز، بعد شقيقه الأكبر جميل، وقبل شقيقه الأصغر فكري، إلى جانب شقيقاته الثلاث. ولد في الموصل في عائلة يعلو بين جنباتها صوت الموسيقى، آلياً على العود، حيث كان الوالد عازفاً قديراً وصانعاً لبعض آلات الوترية، التي من بينها العود, وغنائياً، على صوت حناجر الوالد أيضاً، الذي كان يتمتع بصوت رخيم شفاف ساعده كثيراً في أداء تراتيل كنيسته السريانية الأرثوذكسية شماساً في خدمتها.
أتجه منير بشير منذ نعومة أظفاره نحو الموسيقى، وتأثر خاصة بشقيقه الأكبر جميل، يعزف على الكمان والعود في البيت، قبيل رحيله إلى بغداد للالتحاق بدراسة الموسيقى في المعهد الموسيقي الذي عرف فيما بعد بمعهد الفنون الجميلة. وهكذا انتقل تأثير الأجواء الموسيقية إلى كافة أفراد العائلة.
التأهيل الفني
التحق منير بمعهد الفنون الجميلة عام 1939، ليدرس العود على يد الشريف محي الدين حيدر (أستاذ وعازف بارع للعود والجلو) وليتخرج فيه عام 1946وقد تأثر كثيراً بأستاذه حيدر، وأخذ عنه أساليبه التقنية المتقدمة في العزف. كما كان الأمر عند شقيقه جميل. بينما تأثر زملاؤه سلمان شكر وغانم حداد وسركيس آروش بالروح الشرقية التقليدية.
مارس العمل الفني في الفرقة الموسيقية التابعه لإذاعة بغداد، وفي تلفزيون العراق بعد تأسيسه عام 1956، عازفاً ومخرجاً موسيقياً ثم رئيساً لفرقة الاذاعة ومن بعد رئيساً لقسم الموسيقى. كما مارس التدريس في المعاهد. وأسس له معهداً خاصاً باسم (المعهد الأهلي للموسيقى)، وصار رئيساً لجمعية الموسيقيين العراقيين. وفي العام (1948) تسلّم رئاسة القسم الموسيقي في إذاعة بغداد، وفي عام(1954) قام بإخراج أول عمل تلفزيوني، إذ كانت رغبته الاتجاه نحو الإخراج التلفزيوني.
أول رحلة له في عالم الموسيقى قام بها كانت إلى اسطنبول وبعد ذلك ذهب إلى بيروت حيث تعرف على الأخوين الرحباني، وسجّل بعض الأغاني مع السيدة (فيروز) كعازف على آلة العود، ثم لحن لها عدّة أغاني منها: يا حنينة، يا حلو يا قمر، هيك مشي الزعرورة وغيرها الكثير .
ثم سافر إلى بريطانيا ليدرس الإخراج، وخلال وجوده في لند ن سجّل للإذاعة البريطانية (56) مقطوعة موسيقية . لكنه لم يتابع دراسة الإخراج في بريطانيا بعدما أكتشف أنّه يجد ذاته في الموسيقى وبالأخص العزف على آلة العود، فذهب إلى هنغاريا وقرر أن يدرس ويستقر هناك لأن لهنغاريا حسب رأيه رابط تاريخي مع منغوليا و منغوليا كان لها رابط تاريخي مع السومريين. وهناك درس الموسيقى من جديد في أكاديمية (فرانس ليست)، ودرس التربية الموسيقية على يد الموسيقي الهنغاري الكبير(سلطان كوداي) وهناك تزوج من فتاة هنغارية وأنجبا ولديهما:عمر وسعد .
درس سعد منير بشير الباليه في العراق وأكمل دراسته في تصميم الباليه في هنغاريا، وهو الآن يدرس الدكتوراه في تاريخ الفن العالمي، ويختص في الفن التشكيلي في البلدان العربية وخاصة في موطن أجداده العراق. أما أبنه عمر فقد درس الموسيقى في أكاديمية (بودابست) حسبنظام كوداي للتربية الموسيقية و تأدية الكورس والموسيقى الأوروبية، وتعلم العزف على آلة العود من أبيه وعزف معه أكثر من مرة وهو الآن يسير على خطاه.
شخصيته الفنية
حققت له جولاته العديدة والمتكررة في معظم أقطار العالم، استزادة في المعرفة وأتساعا في الخبرة، لترسو عنده بقناعة صميمة ضرورة الحفاظ على التقاليد الموسيقية بكل طقوسها، وتقديمها بما يتوافق مع روح العصر، دون الخروج من لبوس الموسيقى العربية هوية انتماء وأصالة مفاهيم وتعبير جمالي.
كان على خلافٍ مع أساليب ملحني القرن العشرين من العرب، المصريين و اللبنانيين والعراقيين المتأثرين بها، الذين ابتعدوا عن الهوية القومية للموسيقى العربية، جراء استعارة أساليب الغير شكلاً وبنية وتعبيراً. وقد كان جريئاً للغاية في تصديه لتلك الأساليب عبر منابر الصحافة واللقاءات الإذاعية والتلفزيونية والمحاضرات.
جاهد منير بشير للخروج بالآلة الموسيقية العربية من محدودية استعمالاتها بشكل ثانوي في مصاحبة الغناء. مؤكداً قدراتها الواسعة غير المحدودة في الأداء والتعبير. انطلاقاً من تطوير أسلوب التقسيم التقليدي إلى سياحة آفاقية من الارتجالات الحرة المؤسسة على الانتقالات المقامية العربية، بعيداً عن التطريب المفتعل. فصار بحق صاحب مدرسة متفردة في هذا المجال، اقتدى بها العديد من معاهد الموسيقى في العالم العربي، وصار أسلوبه واضحاً في أداء معظم عازفي العود المحدثين العرب. إذ تحول أداؤه من شكل العزف المتوسِّل للإعجاب، إلى منطلقات تأملية وجدانية، فكأن المستمع داخل صومعة متعبد تستوجب الإنصات التام بكل خشوع.
ملامح شخصية
وبالقدر الذي حصل فيه منير على الإعجاب والتقدير لأدائه الفني الفريد، وخدماته في نشر الموسيقى العربية في العالم، حصل كذلك على الكثير من النفور من الناس وحتى من زملاء العمل والأصدقاء. فهناك يعتبره متكبراً مغروراً صلفاً. فالمكابرة عند منير بشير نابعة من إخلاصه للقضية التي حمل لواءها، وهي التحول بالموسيقى العربية من أجواء الطرب الخانع إلى آفاق العلم والعقل ومخاطبة الفكر والوجدان. ولكنه كان يطرح ويقدم فنه
بثقة، واعتداد بالنفس أعتبرها البعض غروراً، لكنها كونت بصفاتها المتكاملة شخصية استحق التقديرٍ من العالم: مؤسسات ومحافل ثقافية وإعلامية وفنية، ومن رؤساء وملوك وزعماء الدول، الذين شاهدوا فنه وسمعوا موسيقاه لم يلمسوا عنده مثل هذا الغرور والمكابرة، لذلك منحوه الأوسمة والمفاتيح والدروع والشهادات والجنسيات الفخرية. نعم كان منير بشير حاد الطباع عندما ينبري للدفاع عن الموسيقى العربية وأصالتها، ولكنه، كان كالطفل الصغير في براءة التعبير للآخرين.
وفاته
توفي منير بشير في 28 أيلول 1997 على أثر نوبة قلبية قبيل رحلة فنية له للمكسيك.
عالمية منير بشير
درس منير بشير الفن والموسيقى، في العراق، ومصر وبريطانيا، وبودابست، وعرف فنه وحاضر في جامعات عالمية مهمة، وعزف في صالات عزف لا تفتح إلا لكبار الموسيقيين والعازفين، مثل قاعة أوبرا أبولو في برلين، كما حصل على الكثير من المركز والميداليات والجوائز والتكريمات.
فقد حصل على المراكز التالية:
-الأمين العام للمجمع العربي للموسيقى، جامعة الدول العربية
ـ نائب رئيس المجلس الدولي للموسيقى /اليونيسكو/
ـ مدير في اللجنة الدولية في التربية الموسيقية
ـ عضو في اللجنة التنفيذية للمجلس الدولي للموسيقى، وقد منح عضوية الشرف في اللجنة المذكورة مدى الحياة وعضو شرف دائم في اللجنة العليا للموسيقى في مصر، وبالإضافةإلى رئاسة تحرير عدة مجلاّت موسيقية متخصصة أهمها: مجلة قيثارة باللغتين الاٍنكليزية والآشورية، مجلّة الموسيقى العربية، مجلة الموسيقى.
ومنح الأوسمة التالية:
- وسام الثقافة بدرجة القائد من فرنسا
-وسام الاستحقاق المدني من الدرجة الأولى من ملك أسبانيا خوان كارلوس
- وشاح زميل الجامعة موريسيا في أسبانيا
- وسام الثقافة و الفنون من بولونيا
- وسام الاستقلال الأردني
- وسام الثقافة من الدرجة الأولى من كوبا
- وسام كوماندور مع شهادة (دكتوراه) فخرية من الحكومة الاٍيطالية
كما نال الكثير من الجوائز العالمية منها:
- جائزة شارل كرو لأحسن أسطوانة موسيقية من فرنسا
- جائزة دسك أكاديمي من فرنسا
- شهادة سفير من جمعية الصداقة العراقية الأسبانية
وحصل على الميداليات الذهبية التالية:
-الميدالية الذهبية لبيكاسو
- ميدالية شوبان من بولونيا
- ميدالية ليست فرانس من هنغاريا
- ميدالية بيلا بارتوك من هنغاريا
-ميدالية فيلا لوبوسمن البرازيل
ـ ميدالية تشايكوفسكي من الاتحاد السوفييتي
ومنح مفتاح مدينة يوكوهاما
وحاضر في جامعات
ـ جنيف، أكسفورد
ـ هامبورغ
ـ كوبنهاغن
ـ المعهد العالي للموسيقى في دمشق
وأهم ما يميز موسيقى منير بشير (عدا كونه عازفاً بارعاً على آلة العود) هو استلهامه المتميز للتراث بكل صوره و إبداعاته الخالدة، وانطلاقاً من تجربته و اقتداره إلى تشكيل مشهد موسيقي حديث مغاير لا الاٍفتعال أو الزيف وهو لم يبرح تربة التراث ولهذا جاءت طرق تعبيره أكثر إقناعا ورسوخاً في الوجدان وخاصةً بفضل انتقالاته المدهشة ما بين الثراء اللامتناهي للمقامات والأنغام وهارمونياته الأخاذة.
ويعتبر منير يشير من الرواد الكبار في مجال فن الارتجال الموسيقي، فقد أغنى هذا الفن بروائع على قدر كبير من الأهمية كان لها كل الأثر في تأصيل هذا الفن الصعب والذي لا يستطيع الدخول إلى عالمه الرحب الآمن كان يمتلك معرفة عميقة بأسرار المقامات والأنغام وتلويناتها وبحور ثقافية موسيقية موسوعية.
ومن هنا يمكننا اعتبار منير بشير من أكثر الفنانين شمولية وموسوعية، فمن العزف على آلة العود إلى مجال التعليم و تأليف الموسيقى التعبيرية الخالصة وصولاً إلى تأليف الأبحاث و التجارب الموسيقية العديدة التي أبدعها في أكثر من مجال، الآن آلاف من العازفين على العود في أوروبا يدرسون العود حسب أسلوب وطريقة منير بشير، ويوجد الآن طالبة في مصر في المعهد العالي للموسيقى تقدم رسالة دكتوراه عن منير بشير. وعندما كان ينظم المهرجانات في العراق كمهرجان بابل الدولي شكل فرقة مؤلفة من /250/ عازف عود، وفرقة مؤلفة من/280/عازف على الآلات المختلفة.
قدم لجمعية المؤلفين والملحنين بفرنسا/600/ مقطوعة موسيقية من تأليفه مدوّنة بالنوتة الموسيقية، ما عدا آلاف المقطوعات الموسيقية المرتجلة الموجودة في الأشرطة والأسطوانات والأقراص المدمجة.
وفي الثمانينات عالجت سيدة من أمريكا أبنها بموسيقى منير بشير، وأحد الضباط الذين كانوا مصابين في حرب فيتنام، وفي أيامه الأخيرة أتجه بالتفكير إلى إنشاء بيت لمعالجة المرض بالموسيقى. وكان رأيه في تلحين الأعمال الغنائية أنه يجب على الملحن أن يضع الموسيقى أولاً ثم يأتي الشاعر بنظم الكلمات وليس كما هو السائد.
*******************************
رأي النقاد بعازفي العود
يرى النقاد أن العودين العربي والشرقي تبرز فيهما مدرستان
الأولى: المدرسة التركية ذات الملامح القوية في بغداد، وقد أنشأها العازف الكبير الشريف محي الدين حيدر، ومن تلاميذه : جميل بشير وسلمان شكر ومنير بشير و غانم حداد
الثانية: هي المدرسة المصرية التي أنجبت الأفذاذ :أمين المهدي ومحمد القصبجي و فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وفريد غصن وجورج ميشيل
واعتبر منير بشير أكثر العازفين العراقيين ديناميكية ومقدرة في الخيال وفي التقاسيم، وكان لا يرى خيراً في المدرسة المصرية وفي أسلوبها الّذي يغلب عليه التطريب بعكس المدرسة التركية، فبنزوعها التّقني العميق اتجهت إلى التعبير. ولا منازعة في أن منير بشير يشكل خسارة حقيقية للعود.
في التعريف بنظريته الفنية
يتضح حتى للمستمعين عدا الخبراء والدارسين، أن عود منير بشير، وعزفه، كان يعبر عن رؤية، وعن تكنيك اختص به، فبوسع أي مستمع أن يميز موسيقى منير بشير، وقد أستطاع منير بشير أن يؤثر تأثيراً كبيراً على مستمعيه في صالات العزف الكبرى في العواصم العالمية، وكان خبراء وموسيقيين كبار يستسلمون لسحر أنغامه، واستخدامات منير الإبداعية، وذكاؤه الموسيقي الفذ.
حمل منير بشير عوده متنقلاً في رحلات شاقة / ممتعة للتعريف بالموسيقى العربية وعلى آلة العود خاصة. فقد قدم موسيقاه وسحر مستمعيه في أرقى صالات العزف في أوربا والعالم، كان خلالها يبحث عن الجاد ويشن حرباً لا هوادة فيها على الأعمال الفنية الهابطة، وعلى كل ما غير أصيل في الموسيقى العربية.
لذلك تسيطر على منير بشير فكرة تأسيس وخلق جيل موسيقي جديد يطلع من الأجواء الموبوءة السائدة في عالمنا العربي في نفس الوقت الذي يسعى لتعليم الناس فن الإصغاء شأنه في ذلك شأن الصوفيين حينما يستثير أقصى درجة للاستماع والإدراك لدى المستمع لذلك فمنير بشير ليس عازفا مبدعا فحسب بل هو مفكر حضاري يضرب بأفكاره أوتار عوده في أغرار التاريخ الفني والحضاري لبلاده وأمته ليميط اللثام عن جذور الموسيقى العالمية وأصول العديد من الآلات الموسيقية التي بدأت رحلة التاريخ وعبر القارات انطلاقا من بلاد الرافدين.
في مقابلة على الأرجح أنها تمت في أواخر حياته، عبر منير بشير عن بعض ما يدور في فكره من وظيفة الموسيقي، لاسيما يتوجه بخطابه للموسيقيين العرب.
ـ بعد هذه الرحلة الطويلة مع ا لموسيقى العربية، التي تكاد تكون أشبه بمعركة بائسة في جو الرداءة المستشري حاليا، والسؤال هنا اين يجد منير بشير نفسه ؟
* في جو الرداءة الذي وصفته يجد الفنان الحقيقي نفسه في معركة مع الرداءة والتفاهة التي تفزر الأغنية والموسيقى العربية الواهنة هذه الأغنية التي يطلق عليها الأغنية الخفيفة في حقيقة الأمر ما هي إلا فقاعات لا تدوم وليس لها أي مغزى ثقافي وتهدف لتخريب التذوق السمعي لدى الإنسان العربي، لذلك فاني أقول بدون تربية موسيقية لا يمكننا أن نخلق شيئا . والتي هي ليست حكرا على المدرسة فقط بل يجب أن تكون عملية شمولية ضمن خطة تهدف لتطوير قدرتنا على التذوق الموسيقي تمهيدا لتطوير ثقافة موسيقية تسهم في إحداث التواصل المطلوب بين حاضرنا وتراثنا الموسيقي العظيم الذي أسس له عباقرة مثل الفارابي والكندي وابن سينا وزرياب:
لذلك فالمعركة التي نخوضها مع كل ما هو هابط في الموسيقى العربية هي معركة لن تتوقف طالما بقيت أصابعي مشدودة على أوتار عودي، من هنا فانا لا أتوقف عند حد في تطوير قدراتي المعرفية صعودا بشجرة حياتي إلى القمة، هذه الشجرة الضاربة جذورها بالتراث صعودا بجذعها الذي يمثل بالنسبة لي الثقافة الموسيقية الإنسانية المتفرعة إلى موسيقى آسيوية وهندية وموسيقى أوروبية خصوصا الموسيقى الاسبانية المتأثرة بشكل كبير بالموسيقى العربية.
هذه المعرفة الموسيقية العالمية جعلتها في خدمة التراث لذلك فانا اعزف بعودي موسيقى بيزنطية وهندية واسبانية وموسيقى الجاز، اعزف موسيقى عالمية كلاسيكية وشعبية وكل هذه المعرفة الموسيقية في خدمة مشروعي الموسيقي الذي أول ما يهدف إلى تحرير الأذن العربية من سطوة الأغنية التافهة والموسيقى الرخيصة والتهريج والتطبيل والتزمير.
ـ منير بشير يجد نفسه بعد هذه الرحلة الطويلة قد وصل إلى القمة إذن وماذا بعد ؟
* عندما شعرت بأن شجرة حياتي قد وصلت إلى القمة راودني شعور معاكس بأنني أعود إلى مرحلة الصفر إنني أريد أن أجدد نفسي باستمرار، القمة بالنسبة لي حالة يجب تجاوزها إنني ابحث عن الحرية لذلك فأنني كل يوم أرى شيئا جديدا أحاول أن أبدع شيئا جديدا وهذه الرغبة العارمة بالحرية قادتني إلى البحث في ثقافات الشعوب وصلت حتى إلى ثقافة الهنود الحمر ودرست موسيقاهم، الشجرة التي أتحدث عنها لا نهاية لها، لذلك كم اشعر اليوم بأنني بحاجة إلى محاكاة والتفاعل مع العقل المنتج للثقافة الموسيقية في مختلف إنحاء العالم كل ذلك خلق لدي شعورا "إنني إنا الحرية" الحرية التي تجعلني أعيش في ذوات الآخرين دون أن يفرض علي مزاج المتلقي، ومن خلال الموسيقى اصل إلى الحرية التي أتجاوز فيها نفسي بحيث افقد وجودي وأصحو إلى الحالة الطبيعية البيئية التي توصلني إلى خلق القطعة الموسيقية التي هي نتاج حالة صوفية تدعونا إلى التأمل في وجودنا.
وهذه الموسيقى التي أدعو لها مع الأسف الشديد لم تنل قيمة نشرية في العالم الآن . ولكن ما يسعدني خلال هذه الحقبة المظلمة بالذات إنني احمل عودي من بغداد العالم حاملا مشعلا بنقل إشعاع حضاري يمتد بجذوته إلى آلاف السنين والفنان غير المرتبط ارتباطا عضويا في تربته وتراث ووجدان أمته يصبح تائها في المحيطات .
ـ إذن أنت تدعو إلى ارتباط الفنان بتراثه والى إحداث نهضة موسيقية على الصعيد العملي. ما هو دور الفنان والموسيقي اليوم في هذه النهضة المطلوبة ؟ هل يبدأ ببعث التراث الموسيقي أم يقوم بالتجرؤ على تطويره وحسب أية معايير ؟
* عندما أتحدث عن التراث لا أقصد أن ندخل في قوقعة وانأ اعتقد بأن التراث تقدمي إلى الأبد إذا ما أحسنا التعامل معه فالمسألة كلها تعتمد على طريقة تناولنا للتراث وللاختيارات التي نختارها من التراث فالتراث حاضر فينا، وليس هناك تراث قديم وتراث جديد هناك الإنسان. أنت عمرك آلاف السنين ومن الظلم التعامل مع تراثنا العظيم على انه شيء متخلف ومنحط وزائل هذه النظريات متخلفة ورجعية خارج التاريخ لأنك إذا حاولت قتل التراث فانك تقتل التاريخ.
والتراث هو ثمرة عمل جماعي وتراكم الأجيال والتجارب رمهما كنت عبقريا تبقى أنت فرد بينما يختزن التراث تجارب الأمة. إننا مطالبون اليوم قبل كل شيء أن نعيد الثقة إلى الذات العربية ونعيد احترام فنوننا وتراثنا : كما تفعل كل شعوب الأرض فمثلا اليابان لا تزال تختزن “مسرح الكابوكي" الذي يزيد عمره على (300) عام رغم ذلك لم يغيروا أي شيء على هذا المسرح رغم كل التطور التكنولوجي الذي حققته اليابان وحتى اليوم لا يزال الرجل يمثل دور المرأة في مسرح الكابوكي وهذا التقليد منذ (300) سنة هل يعني هذا أن اليابان دولة متخلفة.
ألمانيا لا تهمل بتهوفن أو باخ إن الأمم بل تحتفي بتراثها إلا امتنا العربية للأسف الشديد التي غزاها التشويش الاستعماري الذي امتد لمئات السنين مما اثر على شخصيتها وجعلها مسارات ضائعة تائهة
ـبرأي منير بشير هل يمكن إعادة التواصل إلى العصر الذهبي للموسيقى العربية ؟ وما هي أسباب القطيعة مع ذاك العصر وأين تكمن أسباب الانحطاط ؟
* الحضارات مهما تعرضت للكوارث لا تموت نحن الآن في العراق نعيد بناء بابل مع العلم إن حضارة بابل عمرها أكثر من أربعة آلاف سنة .
والموسيقى العربية ضاربة في أعماق التاريخ فمثلا في العصر العباسي كان الفارابي حكيما وفلكيا وفيلسوفا وموسيقيا عظيما عندما كان يبكي ويضحك مستمعيه الفارابي نفسه قال أن حكمته اكتملت في الموسيقى واليوم يتحدثون عن آخر صيحات الطب وهو العلاج بالموسيقى، الفارابي سبقهم بأكثر من ألف عام عندما كان يعالج المرضى بالموسيقى والإبداعات التي ادخلها الفارابي والرازي وغيرهما من عباقرتنا على الموسيقى معروفة ويقف الواحد منا عاجزا عن وصف عظمتها نحن لسنا مطالبين بإعادة تكرار نفس اللحظة الماضية، هذا ليس ما أدعو إليه فالتواصل المطلوب هو تواصل من لحظتنا الواهنة التواصل مع “الآنا” وإعادة الثقة بتراثنا واحترام ما أنجزه عبا قرتنا وان نتعلم روح الانتصار، روح احترام الإبداع الذي كان يتحلى به العباقرة الذين صنعوا هو موسيقانا العربية وهل يجوز احتقار الماضي العظيم هذا بحجة “المعاصرة “ ودعاة المعا هوة نفسهم لا يفهمون ما هي المعا صرة هل ما نسمعه من أغان هابطة، رخيصة هو معاصرة، فالموسيقي إذا لم ترتبط بذاكرة الناس وإذا لم توزع حسب أصنافها في مجتمعها تبقى خطرا لأنه يجب أن تصنف الموسيقى حسب وضعها البيئي والاجتماعي من الرفيه إلى اليدوية من الشعبية إلى الكلاسيكية والأمة العربية أكثر الأمم لديها كلاسيكية في الموسيقى لان عندهم آلات موسيقية مبدعة فإذا ذهبت إلى العراق وفيه كل الأديان السماوية وقعت على غنى التراث الموسيقي وتنوعه منذ آلاف السنين.
وفي حقيقة الأمر نحن العرب تعرضنا لنوع من التخلف نتيجة
الاحتلال الأجنبي الذي أدى بنا للضياع لمئات السنين منذ عصور الانحطاط كل ذلك أدى إلى قطيعة مع تراثنا الموسيقي الذي تجد آثاره في كل المتاحف الأوروبية من حضارات بابلية، سومرية، أشورية، فينيقية، أكدية، سريانية، عربية، عربية إسلاميةوالمطلوب منا قبل كل شيء لإعادة التواصل مع هذا التراث العظيم وإعادة بعثه من جديد هو إعادة الثقة "للأنا العربية قبل كل شيء".
ـ لا شك أن الإعلام له دور هام في نشر الثقافة الموسيقية فما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في بعث التراث الموسيقي ونشر الثقافة الموسيقية اليوم ؟
* أول ما يلفت الانتباه في قضية الإعلام والموسيقى بأنه قلما نجد متخصصين في الإعلام الموسيقي والمسألة في كثير من الأحيان تترك للصدفة أو لمزاج المسئول عن الاستماع الموسيقي بحيث يكاد ينعدم التخطيط المنهجي للاستماع للموسيقى والغناء حسب ساعات اليوم الواحد فمثلا موسيقى يفترض أنها موسيقى تصلح للاستماع في الصباح يتم بثها في المساء والعكس صحيح .
فالمفروض أن يكون هناك “هيئة فنية تضع خططا ودراسات لتنظيم هذه العملية وإعادة النظر في عملية الإعلام الموسيقي برمته مما يؤدي إلى تطوير التذوق الحسي والسماعي لدى المجتمع العربي في كل مكان وهذا على المدى الطويل أما في المدى المنظور فمطلوب إعداد خطط مرحلية تعالج الواقع الذي نعيش فيه بحيث يتم تشكيل لجان استشارية تتابع تنفيذ القرارات التي عادة ما تذهب إلى سلة المهملات بسبب الجهل والبيروقراطية في أجهزتنا الإعلامية
والاهم من كل ذلك هو إعداد دراسة وافية لحل هذه المعضلة يشترك فيها إلى جانب الموسيقى عالم في الجغرافيا وعالم في التاريخ وعالم في الآداب والشعر وعالم في الدين وعالم في علم الاجتماع والبيئة هؤلاء كلهم يشكلون فريق بحث تتم من خلاله دراسة الحالة التي نحن فيها ويقدمون مشورتهم للمسئولين ويعكس ذلك سوف لا يكون هناك مستقبل للموسيقى العربية وسنبقى اسري للموسيقى المنحطة المبتذلة التي نسمعها كل يوم وتصم أذاننا والتي أدخلت قصرا وطوعا إلى مجتمعاتنا بحجة الشبابية والمعاصرة والتبادل الحضاري .
ـ إذن كيف تصف لنا واقع الموسيقى العربية اليوم؟ وكيف تنظر كمؤلف موسيقي إلى ما ينتجه الملحنون العرب الآن؟
* الحالة الموسيقية في العالم العربي اليوم حالة مأساوية والساحة الموسيقية العربية حافلة بالادعاء والأحقاد الشخصية والمعارك الصغيرة وفقدان المزاج الجميل وآداب الإصغاء الذي سبق أن نبه إليه قبل ألف عام الإمام الغزالي حينما وضع قوانين للإصغاء.
ما يسمى بالموسيقى اليوم أشبه بحالة من الهستيريا والهرج والتطبيل والتزمير والتصفير موسيقى عابثة ليس لها أي قيمة أخلاقية أو حضارية ولا علاقة لها بتراثنا ماذا نقول عن أغاني أحمد عدوية او شكوكو ورغم ذلك فانهما معروفان تقريبا في كل بيت عربي .
طبعا هذا الانحطاط الموسيقي الذي نحن فيه اليوم لم يأت صدفة أو عبثا إنما جاء نتيجة تخطيط منذ عشرات السنين لتدمير الحس والذوق والأخلاق بحيث أصبحت الموسيقى العربية في نوعها الغنائي الراهن “خلطة “ عجيبة غير متجانسة من ألوان عدة وإشكال مختلفة لا يمكن أن نقول إنها تعود لهذا البلد أو ذاك، دون المذاق العربي فالأغنية العربية اليوم بكل اختصار لا تاريخ لها ولا لون ولا ذوق والجمهور الذي يقبل بكل شي ء رخيص هو جمهور متخلف يسعد بكل شيء يتلاعب بحسه، أما الملحن العربي فهو ابن الصدفة ويحاول أن يقلد الملحن الغربي رغم أننا نمتلك أشكالنا الموسيقية المتعارف عليها عالميا ولكننا نهملها فمن يلحن اليوم الموشح ؟! وهناك مثلا الملحون المغربي والمقام المغربي والمألوف التونسي والدور المصري والموال اللبناني ولكننا رغم ذلك لا ننتج حاليا إلا الأغنيات الرديئة بحجة مواكبة العصر وأغنيات الشباب والأغنية الخفيفة وما يشابه هذه التسميات التي تصنع مطربا أو مطربة خلال “24" ساعة
ـ ولكن ألا تعتقد معي أن الأغنية الرائجة هي ما يطلق عليها الشبابية ؟
* هذا قد يكون صحيحا في اغلب الأحيان ولكنه لا يمكن أن يكون في كل الأحيان، هناك فئات عديدة تمقت هذه الأغنيات في المجتمع العربي وتفضل عليها القدود والموشحات، والجمهور المثقف يرمي الملحن أو المغني الفاشل في “الزبالة “.
وفي النهاية المسألة كلها متعلقة بالتربية الموسيقية وبالحالة الوجدانية للأمة لان رواج نوع معين من الثقافة الهابطة سواء كان ذلك في الموسيقى أو الآداب إنما يعود للوضع المزري الذي تعيشه امتنا العربية، فهل يعقل أن الموسيقى اليوم لا يفهم الشعر والشاعر لا يفهم الموسيقي والمسرحي لا يفهم الآداب
إنا أتحدث بهذه الصراحة التي تخلق لي أحيانا كثيرا من المشاكل لأنني انتمي إلى العائلة العربية التي احرص على مستقبلها ومستقبلها يكمن في وحدتها فهل يعقل أن بلدانا أوروبية مختلفة القوميات تتوحد ونحن العرب نبتعد عن بعضنا البعض ونتمزق. هل هي عقدتنا نحن العرب الاتجاه الأجنبي وبالخصوص الغربي، إنهم يحاصرون حتى أوتار عودي ويحاصرون ورق المجلات والكتب هل تعلم بأننا توقفنا عن إصدار مجلات “القيثارة “ و ”موسيقى الطفل" و”الموسيقى العربية “ التي كنت أصدرها وأترأس تحريرها.
معزوفة بغداد - تأليف منير بشير
تقاسيم من مقام الحويزاوي- منير بشير
منير بشير - تقاسيم راست
تقاسيم من مقام البيات مع عزف اغنية يا بو الشامية - منير بشير