هنا بغداد.. حكاية دخول اول مذياع للعراق

2014-05-12

هنا بغداد.. حكاية دخول اول مذياع للعراق

في مساء يوم الاربعاء الاول من تموز عام 1936 ترك الكثير من سكان بغداد بيوتهم وتجمهروا في الساحات التي نصبت فيها اجهزة الراديو للاستماع والاطلاع


 هنا بغداد.. حكاية دخول اول مذياع للعراق

 
بحث وأعداد : هيئة تحرير الوتر السابع للفنون والتنمية المستدامة
 
 
في مساء يوم الاربعاء الاول من تموز عام 1936 ترك الكثير من سكان بغداد بيوتهم وتجمهروا في الساحات التي نصبت فيها اجهزة الراديو للاستماع والاطلاع على هذا الجهاز العجيب وهو يتحدث اول مرة بصوت عراقي ، بعضهم لم يكن مصدقا ان هذا الصندوق الخشبي الانيق الذي يحتوي على بضعة ازرار عاجية ولوحة زجاجية مستطيلة تشع بلون اخضر باهت يتحرك فيها مؤشر احمر نحيف
يمكن ان ينطق ويغني بمجرد تحريك هذا المؤشر فيأتيك باخبار الدنيا .. فكيف دخل هذا الجهاز العجيب الى بغداد.
 
في عام 1928 السيد عبد العزيز البغدادي صاحب شركة الدخان العراقي أراد ترويج بضاعته فاجرى مسابقة لنشرها في الصحف بقصد الدعاية لمنتجات شركته وجعل الجائزة الاولى جهاز مذياع ..
 
كان المذياع يعد سلعة ثمينة وفريدة بمقياس ذلك الزمان وعلى الرغم من اننا لانعرف من صاحب الحظ السعيد الفائز بتلك الجائزة غير ان تلك الواقعة سجلت رسميا وشعبيا دخول المذياع أول مرة الى الشارع العراقي .
 
 
في عقد الثلاثينيات حيث بدأت بوادر الحداثة تاخذ طريقها الى الحياة العراقية المدنية انتشرت المقاهي بطريقة لافتة في مدن العراق الكبرى . وبدأت تلعب دوراً ثقافياً تنويرياً رائداُ خاصة في بعض المقاهي الكبيرة في بغداد التي قامت بنصب محطات إذاعية (سلكية) لتبث الى روادها الاغاني والمقامات العراقية ، وكان صاحب المقهى ينصب جهاز راديو كبيراً في ركن المقهى ويوصله باسلاك الى الحاكي ( الغرامفون )الذي تذاع منه الاغاني و تراتيل القرآن الكريم المُسجلة في اسطوانات كبيرة .. كان أول مقهى أنشأ هذا الاذاعة البسيطة يعود الى الحاج عبد العزيز الكائن في محلة الفضل الشهيرة الواقعة في جانب الرصافة ببغداد حدث ذلك عام 1932 تبعه بعد قليل من ذلك الحاج عبيد الذي أنشا إستوديو صوتياً في بيته الذي يجاور المقهى ثم أوصله بسلك الى الراديو الموجود في مقهاه الكائن على نهر دجلة .. وما تميز به الحاج عبيد على منافسه الحاج عبد العزيز إنه كان يبث موسقى حية الى رواد مقهاه بعد أن اأستاجر فرقة موسيقية لهذا الغرض .
 
 
مقاهي اخرى طورت الفكرة وخاصة تلك الموجودة بالقرب من جامع الفضل بعد أن أستأجر أصحابها تختا موسيقيا متكاملا مؤلفة من فرقة وعازفين مع مطرب مقام أضافة الى منشد مدائح نبوية وقاموا بتوسيع البث السلكي ليغطي عددا من المقاهي في وقت واحد بينما كان عبد السلام العزاوي وزكي خطاب المحامي يتلوان آيات القران الكريم من هذه الأذاعة السلكية التي أنشئت في عام 1933 وهكذا تطورت المحاولات وشملت اغلب المقاهي في بغداد وتعدت الظاهرة الى المدن الأخرى مثل البصرة والموصل .
 
 
اذاعة الزهور
أول اذاعة في عام 1933
توفى أول ملوك العراق فيصل الأول وتوج أبنه الشاب غازي على العرش وكان عمر الملك الجديد 21 سنة فقط وكان عائداً للتو من لندن بعد أن تخرج في كلية (هارو) الإنجليزية وكانت تستهوي غازي بعض ملامح الحضارة الغربية فقد كان يحب قيادة السيارات السريعة نوع (كوبيه) ولديه الاهتمام بالمخترعات الحديثة وخاصة بالراديو لذا جاء في مقدمة أولوياته إنشاء أذاعة خاصة به وكان له ما أراد عندما أنشأ في مطلع عام 1936 أذاعة لاسلكية وقد كلف احد المهندسين الأجانب بنصب جهاز إرسال بقدرة كيلوا واط واحد في القصر الملكي الذي يطلق عليه قصر الزهور ، وقد اخذت الأذاعة إسم القصر وسميت أذاعة الزهور.
 
الطريف في الأمر إن الملك الشاب كان يعمل في إذاعته لوحده فهو يعد ويقدم البرامج والأغاني التي كان يؤديها المطربون في بث حي ومباشر وعلى الهواء لعدم وجود أجهزة التسجيل الصوتية ( الشريط ) حينها ومن الذين ضيفهم في أذاعته المطرب المقامي الأول محمد القبانجي والمطرب الريفي اللامع حضيري ابو عزيز أضافة الى الأغاني أستثمر الملك الأذاعة في القاء الخطب السياسية التي كان الملك من خلالها يوصل أفكاره المعادية للإنكليز الى الناس . وبالفعل بدأ يشن من إذاعته حملة شرسة ضدهم . ولم يكن الملك الشاب مدركا خطورة تصرفاته تلك بسبب قلة خبراته في السياسة والحياة .
 
كانت أذاعة الزهور تبث على الموجة المتوسطة ولاتسمع إلا في مدينة بغداد وضواحيها ومن خلال عدد محدود من أجهزة الأستقبال وزعها على بعض الأماكن العامة في بغداد وعندما توفي الملك غازي في حادث السيارة ليلة 3 نيسان عام 1939 بظروف
غامضة وتوقفت هذه الاذاعة عن العمل الى الابد.
 
 
هنا بغداد
وبسبب إنطلاق أذاعة الزهور المعادية للإنكليز بدأت الحكومة العراقية بعد شهور بالتفكير جديا في أنشاء أذاعة عراقية وتم لها ما أرادت في يوم الاربعاء الأول من تموز 1936 . وكان أول صوت أنطلق من اذاعة بغداد ليقول (هنا بغداد) هو صوت المذيع عبد الستار فوزي بعد أن أفتتح وزير المعارف المحطة وكان أسمها الأذاعة اللاسلكية للحكومة العراقية  1936 وأعدت الأذاعة لذلك اليوم برنامجا
حافلا جاء فيه . •
 
في الساعة 6،30 مساء الافتتاح الرسمي للاذاعة من قبل وزير المعارف
• في الساعة السابعة تلاوة من القران الكريم للمقرىء عبد العزيز الحكيم
• نشرة الأخبار يقرأها إبراهيم حلمي العمر وكيل مدير الدعاية والنشر
• عزف على الكمان
• محاضرة عن مكافحة الأمراض الشائعة للطبيب خليل افندي
• في الساعة 8،45 اسطوانتان شرقيتان واحدة لام كلثوم والثانية لمغنية تركية .
• في الساعة التاسعة أمسية غنائية للمطربة سليمة مراد بمصاحبة فرقتها .
وكان للمطربة سليمة مراد الشرف في أن تكون أول مطربة تغني يوم الأفتتاح وكان
البث مباشراً ولمدة ثلاث ساعات ولثلاثة أيام في الاسبوع (السبت والاثنين
والخميس)
 
بلبل الاذاعة الميكانيكي
معظم العراقيين يعرفون بلبل الاذاعة ولصوته على سامعهم وقع خاص إذ كانت الأذاعة العراقية تبدأ بثها التجريبي صباح كل يوم بصوت هذا البلبل الشهير الذي كان يغرد لمدة خمس دقائق يومياً قبل الإفتتاح وقد تم أستحداثه لضرورات ضبط مستوى الموجات الصوتية ولقياس أعلى وأدنى ذبذبة صوتية ومازال حتى اليوم عندما تبدأ الإذاعة العراقية بثها نسمع صوت البلبل وكأنه أصبح شاعراً أو بصمة تميز الإذاعة
الرسمية العراقية عن سواها.
 
لم يحصل أي تغيير في فترة الثلاثينيات في برامج الإذاعة التي كانت تتضمن تلاوة من القران الكريم ونشرة الأخبار ثم أغانٍ وبعض
التمثيليات والمنولوجات والحفلات الموسيقية لفريق الأذاعة الذي يتكون من صالح الكويتي (كمان) وابراهيم طفو (جلو ) وداود الكويتي (عود ) ويوسف زعرور (قانون) وحسين عبد الله ( ايقاع ) ويعقوب مراد (الناي) .
 
 
برامج الاطفال كان لها حصة أيضا في برامج الأذاعة منذ تأسيسها وكان أول مقدم برامج اطفال الفنان كريم مجيد وكان نجماً لامعاً يعرفه كل الأطفال خاصة الذين كانوا يملكون في بيوتهم راديو وكانت قصة عمو كريم وحكايته بهجة وسعادة للاطفال وللكبار ولكنه لم يستمر طويلا فحل مكانه عمو محجوب ثم تلاه الفنان المشهور عمو زكي عام 1938 ولايمكن أن ننسى صوت رائد المونولوجات عزيز علي منذ أفتتاح
الأذاعة حيث كانت تتجمع النسوة والصغار في البيوت . اما في المقاهي فكان يتجمع الرجال والاولاد وكلهم ينصتون لعزيز علي وصوته العذب وهو يقدم مونولوجاته الساخرة من الحكومة والانكليز والظواهر الاجتماعية التي كانت سائدة في المجتمع فتتعالى الضحكات وتتردد الاحاديث والضحكات .
 
أما أول صوت نسائي يقول هنا بغداد فكان صوت المذيعة فكتوريا نعمان ثم تسابق أصوات المذيعين والمذيعات للفوز بمكريفون الاذاعة فبرز صوت الاذاعي الشهير يونس بحري وسلمان الصفواني وحسين الكيلاني وكاظم الحيدري . ومحمد عبد اللطيف وهؤلاء الجيل الأول من المذيعين الذين عملوا مقدمي فقرات البرامج اليومية وكان المذيع في العادة يعلن أسم المغني وكاتب الكلمات والملحن وأسماء الموسيقيين جميعا ثم ينتظر صامتا حتى أنتهاء الأغنية أو الوصلة التي كانت تقدم على الهواء مباشرة لمدة لاتقل عن نصف ساعة ليعلن المذيع بعدها أسم مغنٍ آخر وأسماء جوقته .
 
ومع بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 تحولت الى شعبة تابعة الى مديرية الدعاية والنشر التابعة لوزارة الداخلية وتغير اسمها الى الاذاعة اللاسلكية للحكومة العراقية وزيدت ساعات البث الى خمس ساعات وبدأت تعمل على مدار الأسبوع ولمدة ثلاثة أيام فقط . وكان يعمل فيها يوميا خمسة مذيعين ونحو سبعة موسيقيين.
 
وفي عام 1943 أقترح حسين الرحال الذي كان يشغل منصب ملاحظ الأذاعة تشكيل فرقة مستقلة تختص بأقامة حفلات موسيقية للإذاعة وتالفت فرقة أخوان الفن لهذا الغرض من سبعة فنانين برئاسة داود أكرم (الكمان ) الياهو جوري (الكمان ) وسليم صيون كراكلي (الكمان) ومؤيد نقار عود ويوسف ربيع (جلو ) وموشي شماس (دف) .. ونذكر أن الأجور التي كانت تدفع للمطربين عن الحفلة الغنائية والواحدة تتراوح بين دينار ودينارين كما أن أول فرقة دخلت الى الاذاعة هي فرقة الفنان الرائد حقي الشبلي في منتصف الاربعينيات ثم اسس عبد الله العزاوي قسم التمثيليات ، وأول فرقة للتمثيل عام 1948 ثم تلتها فرقة أنوار الفن لتوماس حبيب وفي عام 1949 قدمت أول تمثيلية إذاعية باسم (مجنون ليلى) باللغة العربية الفصحى بأشراف الفنان عبد الله العزاوي ويوصف بانه أول من أبتدع هذا الفن من دون دراسة وأطلاع على تجارب الأذاعات الأجنبية التي سبقتنا وبرز في تلك الأيام الجيل الثاني من المذيعيين الذين عملوا في فترة الأربعينيات أمثال ( وديع خوندة . نايف الشبلي وهو ابن الفنان حقي الشبلي .رؤوف توفيق وسعاد الهرمزي . ومشتاق طالب . والمذيعة فكتوريا نعمان . وعبد الحميد الدروبي . ومحمد علي كريم وناظم بطرس وصبيحة المدرس ) أما المذيعان يونس بحري وعبد اللطيف الكمالي فكانا من أوائل الأذاعيين العراقيين الذين سمعناهم يذيعون من محطات الاذاعات الاوروبية وباللغة العربية وذلك في أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية .. وقد أشتهر صوت يونس بحري من أذاعة برلين الألمانية في أيام هتلر
تهيئة الطابعة   العودة الى صفحة تفاصيل الخبر