سليمة مراد
السيرة الفنية للفنانه سليمة مراد
ملكه الغناء النسوي العراقي
أعداد
الدكتورة نجوى الكوتاني
الباحثه فاطمة الظاهر
عرفت ساحة الغناء العراقي في العشرينيات من القرن الماضي اصواتا شجية لم تسمعها الإذن العراقية من قبل, تركت بصمة واضحة في تاريخ الأغنية ولا تزال أغانيهم حيةً تتغنى بها أصوات مطربي اليوم. ومن هذه الأصوات المطربه المبدعه سليمة مراد .
بعض المصادر تشير إلى انها ولدت في بغداد محلة بني سعيد عام 1901 بينما تذكر مصادر اخرى انها ولدت عام 1905 في محلة طاطران، وتعد إحدى قمم الغناء العراقي منذ أواسط العقد الثاني من القرن المنصرم، حيث احتلت مكانة مرموقة في عالم الغناء العراقي.
نما عندها حب الطرب والغناء فاخذت تستمع الى المقام العراقي والبستات القديمة ووسط هذه الاجواء المفعمة بالطرب تشبعت بهذا الارث الغنائي الموسيقي فبدأت تقدم الحفلات في البيوت واخذت شهرتها في الانتشار فغنت في الثلاثينات في ملهى الشورجة ثم غنت في ملهى الهلال وتنقلت في عدد من الملاهي المشهورة انذاك
هي اول امرأة تاخذ لقب باشا حصلت عليه من رئيس وزراء العهد الملكي نوري السعيد الذي كان معجباً بها ، ويصف الشاعر المرحوم عبد الكريم العلاف سليمة مراد بقوله " اشتهرت بلقب سليمة باشا وظلت محافظة عليه لا تعرف إلا به إلى أن أصدرت الحكومة العراقية قانونا بإلغاء الرتب العثمانية ، فصارت تدعى سليمة مراد".
نشأت كغيرها من مطربات بغداد في بيئة بغدادية وتعرفت على الجوق الموسيقى وعلى الجالغي البغدادي، وعلى مشاهير المطربين والعازفين آنذاك. تعرفت على الشاعر عبد الكريم العلاف الذي كتب لها اجمل الاغاني ، ولحن لها كلاً من صالح الكويتي وداود الكويتي وسليم زبلي وغيرهم ، فهي مغنية قديرة آخذت من الفن حظا وافراً وصيتا بعيدا فكانت البلبلة الصداحة المؤنسة.
ومن أشهر اغانيها
قلبك صخر جلمود - الحان صالح الكويتي - كلمات عبد الكريم العلاف
يا نبعة الريحان - الحان صالح الكويتي - كلمات عبد الكريم العلاف
الهجر - الحان صالح الكويتي - كلمات عبد الكريم العلاف
في 17 تشرين الثاني عام 1932 حضرت الفنانه ام كلثوم الى بغداد مع فرقتها المكونه من ( الموسيقار الراحل محمد القصبجي على العود ، أبراهيم العريان على القانون ، كريم حلمي على الكمان ، يوسف متولي على الفيونسيل( الجلو) ، جرجيس سعد على الناي ، ابراهيم عفيفي على الرق) ، وقد أحيت خلال زيارتها 12 حفله على مسرح الهلال وغنت عدداً كبيراً من أغنياتها ، وقد اعجبت بأغنية كلبك صخر جلمود من نظم عبد الكريم العلاف ، والتي كانت تغنيها سليمه مراد في نفس المسرح ، حيث قام كلاً من سليمه مراد والملحن صالح الكويتي وضابط الايقاع حسين عبدالله بتلقين كلمات ونغم الأغنية لأم كلثوم وكانت هذه المرة الاولى ولربما الوحيده التي ادت فيها ام كلثوم اغنيه بلهجه غير مصريه ومن الحان ملحن غير مصري ، وبعد عودتها الى مصر سجلتها على اسطوانة نادرة الا انها فقدت فيما بعد.
في تسجيل أذاعي للموسيقار صالح الكويتي حيث يقول : " كانت ام كلثوم تحتضن العود وتعزف كلبك صخر جلمود وتغنيها على المسرح في بغداد ".
استمع للموسيقار صالح الكويتي يتحدث عن غناء ام كلثوم لأغنية كلبك صخر جلمود
نشرت جريدة المدى عن جريدة الاتحاد ذكريات صادق الازدي 1984 يقول فيها:
"في عامي 1947 و 1948 ثارت ثائرة بعض الصحف اللبنانية على أم كلثوم ...السبب كان تصريحات لأم كلثوم بشأن المطربين والمطربات العرب الذين يعملون في مصر. المطربة العراقية عفيفة اسكندر كانت تزور مصر كثيراً في تلك الأوقات وعندما طلب منها أن تبدي رأيها في تلك المسألة أجابت :
"قرأت أكثر من رأي للآنسة أم كلثوم وآخر هذه الآراء ما أفضت به عصمتها لمحرر مجلة الإذاعة ببيروت عن رأيها في مشكلة الفنانين العرب بمصر ، ويهمني في هذا الرأي مسألة واحدة هي أن الآنسة أم كلثوم ترى أن تقتصر المطربات العرب على غناء بلادهن ، فلا يغنين أغاني باللهجة المصرية. وتقول أنها لم تغن قط غناء غير مصري !
ويحضرني بهذه المناسبة ما أذكره جيداً عن حفلات الآنسة أم كلثوم في العراق سنة 1932 ، فإنها أحيت حفلات عديدة وغنت فيها الأغنية العراقية المشهورة ( قلبك صخر جلمود ) ولم يسبب هذا أي ضجر للفنانين العراقيين . بل بالعكس ازدادوا حباً وفخراً بأم كلثوم .
والواقع أن مسألة اللهجات بالنسبة للغناء الشرقي ينبغي أن يعبر عن الفن العربي بأية لهجة مادمنا لا نفرق اليوم بين مصري وشامي وعراقي ، وهذا لا يمنع أيضاً من أن يحتفظ كل فنان بطابع وطنه الخاص ، ولكن هذا لا يعني أن يمنع الفنانون الشوام من الغناء المصري ، أي من التفوق المصري الذي يعتبر قائداً للفن العربي إطلاقاً.ولعل كوكب الشرق توافقني على أنه ينبغي لها أن تعيد النظر في رأيها الذي نحب دائماً أن يكون في صالح الفن الشرقي".
كانت سليمة مراد أول مطربه عراقيه تحلق في سماء الرافدين فقد سافرت يوم الثلاثاء الثالث من تموز 1934 الى باريس ، وقد هتف العلاف قائلاً :-
“أنها أول مطربه عراقيه تحلق في سماء الرافدين مشرقه على باسق الاشجار وأعالي النخيل مطله على زرقة دجله ميممه وجهها مسقط رأس نابليون ومهبط الفنانين ".
لقد استطاعت الفنانه سليمه مراد بسلامة حنجرتها وسعة اطلاعها بالغناء العراقي ان تتبؤ سلم الشهرة وان تغني في أرقى الملاهي وأرقى البيوتات البغداديه المعروفه ، عرفت بحسن ذوقها وأناقتها.
سافرت المطربة سليمة مراد في عام 1935 يرافقها الموسيقار صالح الكويتي وفرقته الموسيقية، الى بيروت وحلب لاحياء حفلات هناك. ويروي صالح الكويتي في إحدى المقابلات الإذاعية أنهم قوبلوا هناك بحفاوة بالغة وإن الجمهور الذي ملأ القاعة كان يطلب منهم المزيد والمزيد .
نشرت مجلة " الصباح " البغدادية في حينها رسالة تلقتها من مراسلها في بيروت جاء فيها (كما في الصورة أعلاه ) "وصلت الينا المطربة العراقية المشهورة سليمة باشا بناء على طلب الوجيه السيد احمد الجاك الذي تعود مفاجأة الشعب البيروتي بكل جديد وعظيم واستقبلها جمع كبير من الأدباء والوجهاء، وحين دخولها الى صالة الكاريون قوبلت بعاصفة من التصفيق والهتاف ثم ظهرت برفقة تختها الموسيقي المكون من خيرة الموسيقيين العراقيين وهم الأستاذ داود الكويتي على العود الذي كان النجاح حليفه في كل ما عزفه ، والأستاذ صالح الكويتي على الكمان وقد استعاده الجمهور مرتين وثلاثا وأربعاً ، وكان الشعب يتحدث بفنه ومقدرته ، والأستاذ موسى نسيم الذي لاقى في تقاسيمه على القانون كل إعجاب واستحسان وأيضاً الأستاذان حسقيل شاؤول وإبراهيم صالح وهما من النوابغ في الرق والطبلة . وبعد التقاسيم الفردية بدأت سليمة تغرد بصوتها العذب الجميل ، فقوبلت بالتصفيق وكانت تجيبهم بابتسامتها اللطيفة وما أن انتهت من غنائها حتى استعادوها ثانية وثالثة ولم تنته من غنائها إلا في الساعة الثانية بعد منتصف الليل فكانت ليلة من ليالي بيروت الموسيقية النادرة، وفي الليلة الثانية ازدحمت الصالة قبل ظهورها على المسرح بساعتين ، غنت قطعا عراقية جديدة منها نشيد المغفور له الملك فيصل تلحين الاستاذ صالح الكويتي الذي قوبل بالاعجاب. وكان المنتظر ان تنتهي حفلات سليمة باشا بهاتين الحفلتين ولكن السيد احمد الجاك اضطر الى احياء ثلاث حفلات اخرى أرضاءاً للجمهور ، ثم كلفت سليمة باشا من ينوب عنها بشكر الجمهور فقابلوا شكرها بالثناء، وقد تلقت تلغرافا من فلسطين لاحياء عدة حفلات فلبت الدعوة ووعدت باحياء الحفلات بعد انتهاء حفلات سورية" .
استمع للموسيقار صالح الكويتي يتحدث عن الحانه لسليمه مراد وعن الحفلات التي احيوها في سوريا وبيروت
عندما سمعها الاديب المصري زكي مبارك( عضو الهيئه المصريه التدريسيه العامله في العراق ) تغني اغنية يا نبعه الريحان التي لحنها الموسيقار صالح الكويتي ومن نغم اللامي الذي ابتكره الاستاذ محمد القبانجي ، أعجب بغنائها وصوتها الجميل وقد سأل عن شاعر الاغنية فعرف انه العلاف حيث التقى به وقال له " لاشك ان اغانيك كلها على هذا النوع البديع ، وفي حينها اطلق على سليمة مراد لقب (ورقاء العراق )، واشار الاديب المصري مبارك على الشاعر العلاف ان يكتب عن سليمه قصيده ، فكتب قصيده رائعه يقول فيها :
بين الروض والمنى وزهر الاماني
هتفت تبعث الشجى في الجنان
هي مثل الورقاء في أيكة الفن
تجيد التغريد في كل آن
كانت سليمة باشا من أوائل المطربات اللواتي دخلن الاذاعه العراقيه عام 1936 فقدمت العديد من الحفلات الغنائيه ، بالاضافه الى ذلك كان لها منتدى ادبي في بيتها يؤمه كبار الشخصيات من الادباء والشعراء ورجال السياسة.
رغم كونها تدين بالديانه اليهوديه الا انها لم تغادر العراق أيام هجرة اليهود ، حيث فضلت البقاء والاستمرار في الغناء حتى السنوات الأخيرة من عمرها ، وقد حذت حذوها الفنانة سلطانة يوسف التي كانت هي الاخرى يهودية الديانه.
وفي تصريح لـصحيفة (العرب اللندنية) في لقاء من العاصمة البريطانية لندن مع شلومو (نجل الفنان صالح الكويتي) قال فيه : " أن الفنانة سليمة مراد رفضت الهجرة إلى إسرائيل مع والده وقالت له "لمن أغني في إسرائيل، حياتي في العراق مع جمهوري، ولا حياة للفنان من غير جمهوره" ، وللعلم فأن الحكومه العراقيه لم تفرض السفر على اليهود بل وضع كخيار امامهم .
في 8 كانون الثاني سنة 1952 التقت المطربة سليمة مراد بالراحل ناظم الغزالي في بيت احدى العوائل البغدادية وخلال الحفل الذي غنيا فيه كانت عيناهما تتبادلان النظرات ، وبعد انتهاء الحفل ذهب كل الى بيته ولكن قصة الحب التي نشأت بينهما مهدت الطريق الى الزواج سنة 1953 بحضور الفنان الكبير محمد القبانجي.
في حديث للرسام والصحفي حميد المحل ( لمجلة الصياد اللبنانيه الصادرة في 1 نيسان 1979)، وهو من زملاء ناظم الغزالي في فرقة الزبانية ومن اصدقائه المقربين، يتحدث عن مرحلة البداية في حياة سليمة مراد وعلاقتها بناظم الغزالي فيقول :
"علاقته بها، كانت في البداية علاقة مطرب ناشيء بفنانة متربعة على عرش الغناء... كان ناظم يمر معي ذات ليلة بالقرب من ملهى كانت تعمل به سليمة وكان صوتها يملا الليل الهاديء نغما حلوا فاذا به يقول لي : يا هناه من قدر له ان يتزوجها فسوف يسعد بالصوت الملائكي ليل نهار".
يبتسم حميد ويقول :
"القدر أبى الا أن يحقق له واحدة من امانيه القليلة الكبيرة، فقد تزوجها فعلا... وهو لم يتزوج المرأة بل تزوج الصوت... اكثر من سبب دفع بناظم الى الزواج من سليمة رغم اختلاف العقيدة فهو مسلم وهي يهودية ورغم التفاوت في السن فقد كانت تكبره كثيرا... لعل اول هذه الاسباب انه انما اقترن بها ليتعلم منها اسرار الغناء، وكانت على علم بالكثير منه.. وحتى تكون بطاقته الى الصالونات الكبرى.. فقد دخل بواسطتها اكبر البيوتات ، اما القول بانه تزوجها طمعا لمالها، فهو مردود.. لانهما عندما ارتبطا كانت سليمة قد بددت جل ثروتها".
طوال مدة الزواج كانا يتعاونان على حفظ المقامات والاغاني حتى ساعات متأخرة من الليل.
في سنة 1958 قدما حفلة جماهيرية كبيره في بغداد ثم قدما بعد ذلك حفلات للجالية العراقية في باريس ولندن
استمع الى ناظم الغزالي و سليمة مراد وأغنية جان القلب ساليك
في بداية الستينات قدماً حفلاً في الكويت الذي سجل لأول مرة ، وكان بصحبتهما الفرقة الموسيقية التابعة للاذاعة العراقيه والتي ضمت عازف القانون سالم حسين وعازف الناي خضر الياس وعازف الطبلة حسين عبد الله وعازف الكمان ناظم نعيم ، ومن الكويت شدوا الرحال الى عدد من الاقطار العربيه منها لبنان حيث اشترك ناظم الغزالي في فيلم (لبنان في الليل) وغنى فيه اغنية (طالعة من بيت ابوها) وكانت تشاركه الرقص الممثلة اللبنانية جاكلين.
كانت هذه الرحلة الطويلة سبباً في تدهور صحته فعاد الى بغداد يوم 21/10/1963 وفي اليوم الثاني وبينما كان يحلق ذقنه اصيب بنوبة قلبية لفظ انفاسه على اثرها، وفي نفس اليوم قدمت الفنانة سليمة مراد الى بغداد لتصدم برحيل شريك حياتها.
تقول سليمه مراد : " في يوم وفاته كنت قد عدت من بيروت حوالي الثانيه عشر وعشر دقائق ظهراً ، توجهت نحو البيت فشاهدت جموعاً محتشده من الناس ، دخلت اركض كالمجنونه ففاجئتني ( أختي روزه) بحقيقة المأساة فتهالكت عند مدخل البيت ولم افق من غيبوبتي الا بعد ان اكتض البيت بالناس "
عند وفاة ناظم الغزالي بصورة مفاجئة أُتهمت سليمة مراد بأنها هي التي قتلت زوجها المطرب ناظم الغزالي ، لكن الدلائل اثبتت عكس ذلك.
كانت سليمه مراد تكبر المرحوم ناظم الغزالي بسنوات عديده وكانت تشكل له الصديقه والمعلمه والزوجه ، وقد غنى العديد من اغانيها القديمه لانها كما هو معروف كانت قد سبقته في الغناء.
ان سليمة عشقت واحبت ناظم الغزالي حبا لا يوصف وظلت وفيه له حتى اخر ايام حياتها وبيتها الذي كانت تسكن فيه كان مكتوب على بابه ( بيت ناظم الغزالي ) حتى وفاتها .
تحولت الفنانه سليمة مراد في آخر أيامها إلى إدارة الملهى الذي فتحته بالاشتراك مع زوجها المطرب ناظم الغزالي وكانت وفاته بداية الانتكاس لهذه المطربه.
في معرض ذكرياتها تقول سليمة مراد:
" اللوعات كثيرة في حياتي رافقتني منذ صباي حتى يومي هذا ، حصلت على لقب (باشا) واغدقت علي الاموال بلا حساب ونثرت الجواهر وتبعثر الذهب تحت اقدامي واصبحت مطربة تحتل القمة وذاعت شهرتي في بغداد والعواصم العربية والاوربية ، وقد وقفت ام كلثوم تخاطب الالاف من مستمعيها وهي تتمنى ان تمتلك حنجرة صافية قوية كالتي امتلكها، وبرغم ذلك كان قلبي ممزقاً لا يعرف غير الوحدة واللوعة".
ثم تضيف قائلة :
"كان ناظم بالنسبة لي وساده مريحة اسند اليها رأسي بثقة ،عشنا معاً سبع سنين برابطة الاحساس المرهف والشعور الفياض البريء المستمد من الفن ، كنت انظر اليه كطفل مدلل علمته النغم والمقام العراقي بكل زواياه وعلمني الصبر والثقة بنفسي فأعادني الى الغناء بعد اعتزاله ، كان دافعي في الحياة وكنت السلم الخفي الذي صعد به طريق المجد وجاء من يتهمني باني قتلت ناظم ، اتهمني الذين جاءوا الي بعد موته يطالبون بساعته الذهبية ليضعها ابنهم في معصمة وتراب قبر ناظم لم يجف بعد".
تصمت الفنانة سليمة مراد ثم تعود الى ايام مجدها فتقول:
" لنرجع الى الماضي ايام المجد ومن ثم اعود الى الحاضر لأروي شقائي مع الناس ، كان عام 1932 يوم جاءت ام كلثوم الى بغداد لتعمل في ملهى في منطقة الميدان وهي مطربة مبتدئة انذاك بالنسبة لي ، وفي حفلة خاصة احتضنت ام كلثوم العود واخذت تعزف واحدة من اغنياتي (قلبك صخر جلمود) وبدأت تغنيها وبعد اول مقطع توقفت عن العزف والغناء والتفتت نحوي وابتسامة خجل ترتسم على وجهها وهي تقول: (ياريت كنت اقدر اغنيها زيك) واخذ الحاضرون يصفقون لها وطلبوا منها بألحاح اكمال الاغنية ولكنها توجهت بكلامها لي (ان شاء الله بعد عشر سنوات يكون لي قوة حنجرتك واوتارها الصافية، بعدها اغني الاغنية بتاعتك كويس ماتكونيش زعلانة مني)، وبعد خمس سنوات سجلت ام كلثوم الاغنية على اسطوانة تجارية دون ان تاتي على ذكري او صلتي بالاغنية بالرغم من أنني بذلت جهوداً كبيرة لاجل ان تتقن ام كلثوم لحن الاغنية".
وعن الرسالة التي وصلتها من ام كلثوم لم تكشف سليمة باشا اللثام عن مضمون الرسالة ولكنها فقط تقول ان بدايتها كانت (ستي سليمة باشا ).
تستطرد قائله : " لم اكن يوما بحاجة الى ام كلثوم لابني مجدي الفني ، يكفي اني شغلت عقول مئات السياسيين الكبار وتلقيت الكثير من الهدايا حتى ان بعضهم جاءني بسندات ملكية عقاراته متوسلاً ان يكون واحداً من عشاقي ، ومازلت اذكر التاجر الحلبي الذي ارسل لي من حلب اوراق تملّك احد بيوته في الشام وعندما اعدت اليه الاوراق شاكرة له باع البيت وارسل الي ثمنه ، لم اطلب الحب من احد بل كان المئات يسعون الي ويزحفون على ركبهم مقابل لقاء أو اهتمام عابر او من اجل كلمة كاذبة يقولها لساني دون احساس وشعور بل من اجل التسلية وهي كلمة (احبك) والتي قلتها مراراً وبلا احساس وانما لجبر خواطر مئات العشاق المتيمين بحبي ، ولا ادري كيف حالفني الحظ والنجاح وحالف الفشل شقيقتي (ريجينه) التي شاركتني الغناء في البداية برغم انها اكثر مني جمالاً وصوتها اكثر حلاوة ، كانت مرحة لاتعرف الهموم ولا الالام بل تضحك وتمرح ليومها وانا ابكي واتالم ليومي وللايام القادمة لاني لم اجد من يسعد قلبي رغم استعداد الالاف ليكونوا عبيداً لي ، في الوقت الذي كانت ريجينه تسير به نحو الفشل والنسيان كنت أنا اصعد سلم المجد والجاه واحترقت هي في اضواء الشهرة التي أحاطتني وانزوت منسية في البيت وجلست انا على قمة المجد دون مزاحم".
نبذه مختصرة عن ريجينه اخت المطربه سليمة مراد ليتعرف القارئ عليها
كانت ريجينة اسم لامع في الثلاثينات من القرن الماضي وهي (شقيقة سليمة باشا ) ، كانت احوالها المالية جيدة جدا وكثير من السياسين ووجهاء القوم يستدينون منها عند الضرورة .
كانت تمتلك سيارة فارهة نوع بيوك (تسمى في حينها سفن سيتر) اي سبعة ركاب وتجلس في المقعد الخلفي الوسط كما يفعل الوزراء والباشوات في ذلك الوقت وتحمل سيارتها العلم العراقي وكان يقال عنها حينها دولة وعلم .
وكانت سيارتها الفخمة تشاهد واقفة امام العديد من الدوائر الرسمية لتمشية معاملتها وتوقيع الكمبيالات او لقضاء بعض شؤون المقربين .
وذكرها المرحوم عبود الكرخي في قصيدة حينما شاهد السيارة واقفة مع سائقها هو وصديقة نوري ثابت (حبزبوز) فارتجل مطلع القصيدة
شفتي يا روحي الحزينة **** الضخمة سيارة ريجينة
شفتي سيارة الضخمة **** بشارع الميدان فخمة
هل سألت لمن ترجع **** وصادرة من اي مصنع
فلوسهه من اي منبع **** نابعة ومن اي خزينة
في الثلاثينات من القرن الماضي استدان منها الباشا ياسين الهاشمي رئيس الوزراء مبلغ 100 دينار لحاجة ما(كان هذا المبلغ حينها كبير ) وكتب لها كمبيالة بالمبلغ حسب التقاليد السائدة حينها لضمان حقوق الطرفين.
وبعد فترة صادف عيد الغفران (الكيبور) لليهود فذهب الباشا الى دار ريجينة مهنئا بالعيد ولما علمت ان الباشا جاءها لتهنئتها مزقت الكمبيالة ورمتها تحت قدمه قائلة بلهجتها :" اشكون الباشا الهاشمي جاي لبيتي يهنيني بالعيد واللة دا أنعل أبوهه للميت دينار".
بنت ريجينة قصرا فخما لها على شاطيء المجيدية ( الموقع هو دار التمريض الخاص الان مجاور مدينة الطب) بعد ان انحسر مجرى النهر جهة الرصافة في منطقة العيواضية وخلف ارضا رملية واسعه بيعت الى علية القوم والمتنفذين بالدولة بعد ان تقاسموها بينهم وبيع المتر بسبعة عانات (العانة 4 فلوس) فبنت ريجينة قصرها الفخم جدا على هذا الشاطيء ولم تتمتع به اذ قتلت قبل ان تنتقل اليه وقال فيها عبود الكرخي
آخ يالدينار من جيبي طفر **** صبحت ريجينة مضروبة ابطبر
نعود الى سليمة مراد حيث تستطرق في حديثها فتقول :
" كنت تعيسة في طفولتي وشقية في شبابي ولكن الله جلت قدرته اراد ان يعوضني في شيخوختي فبلل قطر الحب شفتي ثم عاد وايبس فوقها اخضرار حلاوة عمري عندما خطف مني ناظم ، كانت في قلب ناظم لوعة كنت احس بها لانها نفس لوعتي ، كنا نجلس ساعات دون أن نتفوه بكلمة واحدة ولكننا نطلق الاهات التي وحدها تعبر عن مكنونات قلبينا وما فيهما من لوعة واسى وألم ، كان هو الاخر قد ذاق مرارة الحرمان واليتم واللوعات ما لم يعانه احد ، لم يعرفه أقرباءه يوم كان يستجدي ثمن كتب مدرسته ولم يذكروه يوم عانى المرض والتشرد والبطالة ولكن عندما اصبح اسماً لامعاً عرفه الجميع وعرفوا ما يملك".
وتقول : "هل من المعقول ان اقتل طفلي المدلل وحبي البريء واملي الوحيد ، شلت يدي واليد التي تريد بناظم السوء، هل انا التي دسست له السم ؟ هذا ما قالوه عني لينالوا ما تركه ناظم وياليتهم جاءوا اليّ دون اشاعاتهم القذرة لاعطيهم كل ما ترك وما املك لاني زاهدة في المال والاملاك بل زاهدة في الدنيا كلها بعد رحيله ، اعيش الان في نار لاترحم أنها ليست نار الحب بل نار الفرقة التي احرقت ظلوعي ، كان ناظم كل شئ بالنسبة لي فهو النور الذي أضاء لي الطريق الواسع في الحياة بالرغم من فارق العمر الكبير بيننا لكن الحب الصافي والاحترام الذي كان يظللنا اذاب كل الفوارق".
وفي حديث للموسيقار سالم حسين لمجلة الصياد اللبنانيه نشر في 1 نيسان 1979 يقول فيه :
"في فجر يوم 21 تشرين الاول/ اكتوبر 1963 ركبت الى جوار ناظم في سيارته الجديدة الانيقة التي يقودها بنفسه، تركنا فندق نورماندي المطل على البحر في منطقة كاراكاس في الساعة الخامسة صباحا على وجه التحديد، ووصلنا الى بغداد عند منتصف الليل ، وقد تواعدنا على تناول الطعام معا في اليوم التالي ، اذ دعاني للغداء في بيته.. في العاشرة والربع صباحاً في اليوم التالي ، اتصل بي الطبيب عزيز شلال عزيز وقال لي اسوا جملة صكت اذني حتى اليوم...... ناظم مات! كانت صدمة.. كارثة.. مصيبة.. فاجعة.. كل هذا واكثر.عندما وصلت سليمة الى المطار، وجدت زملاءه يقدمون لها العزاء، فسقطت على ارض المطار فاقدة الوعي . شكّوا في امر الوفاة وكان لابد مما "ليس" عنه بد.. ان تشرح الجثة وجاء في تقرير الطبيب الذي تولى المهمة أن الوفاة كانت طبيعية بسبب تخثر الدم في شرايين القلب. شيع ناظم الغزالي الى مثواه الاخير في مقبرة متواضعة بمدافن الشيخ معروف.. وقف حول تابوته الاصدقاء يبكون والمعجبون ينتحبون ، تقدم الفنان الكبير القبانجي ليقول قولة وداع :" ناظم لن يصل احد لحدك"
سئلت الفنانه سليمة باشا عن لقب الباشا والذي منح لها فقالت :
" كان الجمهور يحب هذا اللقب واستمر يطلقه عليّ فعندما كان الطرب ياخذ مشاعر الجمهور عندما اغني كانوا يهتفون صارخين (انت الباشا واحسن باشا) ومن يومها بقي هذا اللقب مقترناً بأسمي" .
كانت حياة سليمه مراد حافله بالاعمال اغنائيه والفنيه فقد قدمت الكثير من الاغاني على المسارح والبيوتات والاذاعه والتلفزيون وفي الاقطار العربيه والاوربيه وقد شاركت البطوله في فلم عليا وعصام حيث غنت فيه عدد من الاغنيات ومنها ( إلمن السيف والرمح والغزوات ، لما رأى هذا الروض بلبل ، واليوم ملء خاطري).
في أحد مستشفيات بغداد في الساعة الرابعة عصرا من يوم الثلاثاء المصادف الأول من كانون الثاني عام 1974 انطفأ سراج المنير لهذه البلبله الصداحه التي اطربت الملايين بصوتها الشجي وهي لم تتجاوزت السبعين من عمرها وبعد ان عاشت حياة عريضة من الشهرة والمال والعطاء الفني الذي مازلنا ننهل منه حتى يومنا هذا وستبقى في ذاكرتنا وذاكرة الاجيال القادمه، ودفنت جوار زوجها المرحوم ناظم الغزالي في مقبرة الشيخ معروف في جانب الكرخ من مدينة بغداد.
المصادر
1.كمال لطيف سالم - مغنيات بغداد - سلسلة اعلام الغناء العراقي - المكتبه الوطنيه 1985
2.جريده المدى
3.مقال للاستاذ قصي الفرضي - منتديات بيت المقام العراقي
4.نقلاً عن جريدة المدى - مقال للاستاذ مجدي فهمي - كاتب لبناني - مجلة الصياد / 1 نيسان 1979