كتاب المقالات

صفحتنا على الفيس بوك

جديد الوتر

التصويت

ما رايك بنشاطات مركز الوتر السابع؟
 جيدة
 مقبولة
 تحتاج الى تطوير
النتيجة

الساعة الآن

خريطة زوار الموقع

تفاصيل المقال

كارثة اختلاق العلوم

26-12-2015

د. فتحي الخميسي

كارثة اختلاق العلوم


كارثة اختلاق العلوم

بقلم : الدكتور فتحي الخميسي - استاذ في المعهد العالي للموسيقى العربية - القاهرة

تخوض الموسيقي المصرية المعاصرة في مأزق علمي كبير للغاية ! هي تلك الكارثة التي بدأت اقدامها تدب في القرن السادس عشر اثر الاحتلال العثماني لمصر، ومازالت تتفاقم الي يومنا هذا !
انها مشكلة " إختلاق علوم موسيقية " !
إنهم يبتدعون علوما موسيقية في مصر وتبلغ شجاعتهم حد إقرارها وإنزالها على روؤس الطلاب بالمعاهد والكليات الجامعية والزج بها في مناهج الدراسة النظامية على الرغم من انها مختلقة ولا وجود لها بين مقررات العلوم الموسيقية في معاهد وجامعات العالم !
من تلك العلوم المختلقة لدينا :
- العروض الموسيقي
- الإيقاع الحركي

ماذا نقول إزائها !
سننظر الي هذه " العلوم " تباعا وسنقف بداية عند "عروض الموسيقي" ونري كيف تم اختلاقها.
ما من شك في ان كتابة النغم كانت اكبر مشاكل تاريخ الموسيقي، وقد كانت الشعوب القديمة تبكي دوما فقدان الحانها ونسيان وتبدل انغامها من جيل لجيل، ولا مفر إذ لم تكن هناك وسائل لتسجيل الالحان! وفي هذه الحالة وتلك الأحوال التاريخية أصبح ابتكار"التدوين الموسيقي" حلما كبيرا وأمنية بعيدة المنال .
وقد أنشأت الحضارات المبكرة بداية من الاغريق القدامي طرق أولية لكتابة الموسيقي مثل "التدوين الهجائي" بمنح كل نغمة من نغماتهم حرف من حروف اللغة الاغريقية، حتي اذا ما أرادوا كتابة لحن وجدوا لكل نغمة من نغماته حرف من اللغة دال عليها فكتبوا النغمات بحروف اللغة تباعا.
وقد عجزت هذه الطريقة عن تحقيق أهداف كثيرة فلم تتمكن مثلا من تحديد الزمن الذي تستغرقه كل نغمة، أي تحديد الإمتداد الزمني لكل نغمة داخل اللحن، الامر الذي اثر سلبا على تدوين الالحان وبالتالي استردادها !
هكذا ذهبت الحضارات الاكثر تقدما – ومنها العربية – للبحث عن طرق أخري للتدوين. وكانت احدي هذه الطرق هي "عروض الشعر" حيث استخدمت بحور الشعر وتفاعيله لتحديد الزمن الذي تستغرقه كل نغمة نسبة إلى غيرها من النغمات. ومن عروض الشعر اصبح كل من السكون والحركة والوتد والسبب يشير الي زمن موسيقي أو آخر، ولذا سميت اولي ايقاعات العصور الوسطي العربية باسماء بحور الشعر ذاته : " إيقاع الرجز، إيقاع الرمل ... الخ " تماما مثلما حملت ايقاعات الاغريق اسماء بحورهم الشعريه "إيقاع ايامب، إيقاع انابست، إيقاع تروخي، داكتيل، سبوندي ... "
ورغم ان الخطوة العروضية حققت قدرا أعلي من التقدم الا ان "تحديد الزمن" ظل قاصرا وتفاصيل الايقاع الاكثر دقة ناقصة ! ولذلك توالت الابتكارات، ومنها ما ظهر في اوروبا مثل :
" تدوين الإشارات " pneumatic notation
و " التدوين الروماني الكورالي" rom music notation
و " التدوين الكنسي"
وكلها خطوات افضت في النهاية الي التدوين الاكمل "تدوين المدرج ذي الخطوط الخمس" وهو المتبع الآن، أي أن تدوين اليوم إنما يتضمن ويجب خطوات التطور السابقة. لقد أختتمت الرحلة وتبلور علم "الصولفيج" القاضي بتدوين الموسيقي على المدرج.
وعلم "الصولفيج" القائم على "تدوين المدرج" هو ما تعلمناه بمعاهدنا المصرية وتدرسه كافة معاهد العالم الآن ... غير اننا في مصر لا نكتفي به – كما تكتفي كل دول العالم – وانما نذهب الي "العروضية التاريخية القديمة" ونوقظها من رقادها ونبعثها ثم نلطم بها وجوه الطلاب ليتذاكروها ويعبروا امتحانها ! لقد راحت تلك "العروضية" البالية تزاحم في عقولهم الكتابة العصرية المكتملة "الصولفيج" وأصبحنا نحن نبعث للحياة خطوة تاريخية ناقصة من خطوات تشكل علم التدوين! واذا تضمن علم التدوين المعاصر "الصولفيج" الخطوات التاريخية السابقة عليه فاننا نزاحمة بخطوة تاريخية ادت اليه هو نفسه ! ونخلط بذلك ماضي العلم بحاضره ونثير التشوش ونجعل الطالب يتسائل : " لماذا أكتب النغمات ناقصة في مادة العروض بينما أكتبها مكتملة في مادة الصولفيج ؟ "
والواقع إن لكل علم تاريخ خاص وما نقوم به في مصر من اقتطاع جزء من تاريخ علم "الصولفيج " وتلقينه بوصفه علم كامل لهو أمر مثير للدهشة وباعث على الفوضي !
واذا كنا نحن المصريون على صواب في ذلك فلماذا تكتفي اليوم معاهد اليونان ب "الصولفيج" وتترك ماضيها من "التدوين الهجائي" ؟ لماذا تكتفي معاهد ايطاليا (كونسرفاتوار روما مثلا) ب "الصولفيج" ولا تتناول الي جانبه "التدوين الروماني القديم" ؟ لماذا تبتعد إيطاليا عن تدوين امبراطورية روما هذا وعن تاريخها العلمي؟ انها تبتعد لان قديم العلوم ناقص دائما ولأن العلوم لا تعود ابدا لبداياتها ولا ترجع لماضيها بحال .. تبتعد ايطاليا لان كل علم يظل يصحح أخطائه ويستكمل نواقصه ولا يستطيع بعد ذلك العودة للوراء !
هذا .. ومازالت معاهد الموسيقي المصرية تقرع الطلاب بما يسمي "عروض الموسيقي" !

- ماذا يتبقي لأمة ان فسد علمها !

لنستدير الآن صوب " العلم " الثاني المختلق "الايقاع الحركي" .
كانت حجة اختلاق "الايقاع الحركي" في مصر هي "نقل الايقاعات العربية لعقل الطالب بجعله يرقصها حتى تلتصق بذاكرته" ! وفي "الايقاع الحركي" يقوم الاستاذ بتوقيع ايقاع ما بالنقر على طاولة أو مسطح ما ( أو العزف ) ، وعلى الطالب تحريك جسده اتساقا مع هذا الايقاع، ويأتي الاستاذ بعدها بتصويب حركات الطالب لكي تتطابق أكثر فأكثر مع الايقاع !
ولكن .. ما هذا؟ كيف يدرس معهد للموسيقي حركات الجسد مع الايقاع؟ آليس تحريك الجسد لتمثل الايقاع الموسيقي هو فن الرقص ! آليس هذا فن الرقص بعينه ! لماذا يتعين على دارس الموسيقي تعلم نوع من الرقص لدراسة الإيقاع بينما تتم دراسة الايقاع بالفعل في علم " قواعد الموسيقي العربية " !

لقد اعتمد إختلاق "الايقاع الحركي" على محاولات جرت في فرنسا لتعليم الاطفال التحرك مع الإيقاع، وسارعنا نحن بعدها باستيراد التجربة ودون التعرف على نتائجها، تماما مثلما نستورد السلعة أو البضاعة ومثلما نستورد مفردات لغتنا اليومية دون التوقف لـتأمل صلاحية تطبيق هذا أو ذاك !

ولزيادة الطين بلة يطلق مبتدعو "الايقاع الحركي" عليه اسم "صولفيج حركي" وهو بدوره اسم مختلق وزائف وغير وارد في دولة أخرى في العالم ! إذ ليس هناك "صولفيج" ساكن وآخر متحرك، وكل "صولفيج" هو حركي بحكم تتبعه لحركة الانغام وسير الالحان !

لاشك في أن عنصر الايقاع كان ومازال في مصر - كما في دول الشرق - أحد قطبي معادلة "اللحن / الايقاع" التي تتشكل منها الموسيقي لدينا، والموسيقييون لدينا معنييون بالدرجة الاولي بصياغة أغانيهم ومعزوفاتهم من لحن وإيقاع، وبلوغ أعلي اتساق ممكن بين طرفي المعادلة، أي أن عمل هؤلاء الموسيقيون هو تقديم الايقاع مغزولا باللحن، وإجادة ذلك النسيج اللحني / الايقاعي، وليس عملهم التعبير عن ذلك النسيج بحركات الجسد ! وعمل المعلم هو تدريبهم كيفية خلق الايقاع وليس تمثله !
ولاشك في ان علم "الصولفيج" إنما يدرس حركة الانغام المتوالية في اللحن وليس حركة جسد الانسان ! وإذا كان على طلاب الموسيقى أن يرقصوا الإيقاع لكي يفهموه فماذا تركنا لطلاب معهد الرقص (الباليه) ؟ وإذا كان طالب معهد الرقص (الباليه) يدرس سنوات طويلة كيفية تمثل الإيقاع بجسده فلماذا نزاحمه في عمله؟ اننا نحن اهل الموسيقي نعزف لكي ترقص الناس ولا نستطيع نحن الرقص اثناء ذلك .. كيف تختلط المهام والتخصصات الفنية على هذا النحو؟
وليت كانت تلك وحدها المختلقة :
- العروض الموسيقي
- الإيقاع الحركي
بل وغيرها مثل :
- قمم المبدعين .. وغيرها وغيرها !
هذا هو حال العلوم ...
إن ما يحدث في مصر يفسر لنا بوضوح تام اسباب التراجع العلمي الآني !!

كيف يمكن لبلادنا أن تنمو بينما العلوم تتعثر !

ماذا يتبقي لأمة ان فسد علمها !

د فتحي الخميسي

fathimisi@hotmail.com

المزيد من مقالات نفس الكاتب

المزيد من المقالات

ابحث في موقعنا

شاهد في قناة الوتر السابع

أحصائيات

عدد الزوار حاليا : 3
عدد زوار اليوم : 46
عدد زوار أمس : 290
عدد الزوار الكلي : 289137

من معرض الصور