كتاب المقالات

صفحتنا على الفيس بوك

جديد الوتر

التصويت

ما رايك بنشاطات مركز الوتر السابع؟
 جيدة
 مقبولة
 تحتاج الى تطوير
النتيجة

الساعة الآن

خريطة زوار الموقع

تفاصيل المقال

دار اوبرا لمين ياناس !

11-05-2016

د. فتحي الخميسي

دار اوبرا لمين ياناس !


دار اوبرا لمين ياناس !
د فتحي الخميسي

حاجة غريبة ! لما أقام الخديوي إسماعيل "دار للأوبرا" وأسماها "دار الأوبرا الخديوية " وافتتحها في القاهرة 1869 وراح يباهي بها بوصفها "أول دار أوبرا في أفريقيا والشرق الأوسط" ثم إستجاب من اجلها لابتزاز جوسيبي فردي الموسيقي الايطالي ودفع له أجر تأليف اوبرا الإفتتاح (اوبرا عايدة) ذهبا خالصا من الخزانة المصرية العامة .. لم يطرح أحد السؤال : فيما كل هذا ؟ هل نؤلف نحن أوبرات ؟
وعندما صوبت ملوك مصر أبصارها لهذه الدار ودعتها "دار الأوبرا الملكية" ثم شابها الحريق الكبير في 28 أكتوبر 1971 وركضت مصر لإعادة بنائها لم يتوقف أحد ويسأل " ما الحاجة لذلك " !
كما إن هذا "التباهي" لم يتوقف بل ذهبت الاسكندرية لتلحق بهم وتشيد "دار للأوبرا" اسوة بالقاهرة ! بل ودمنهور"دار أوبرا دمنهور" !
وأصبح حالنا ونحن ننظر لهذه الدور الثلاثة يبدو وكأننا دخلنا طور المعاصرة الموسيقية ! بل ونافسنا أوروبا ذاتها في "أوبراتها" وياللعجب!
وإذ أخذنا نتمتم الان "إن قيام هذه الدور إنما من اجل ترقية الفن المصري" وقف لنا السؤال : "هل لهذه الدور علاقة بالفن المصري؟ "
ما هو الفن المصري وما متطلباته ؟
تشكلت الموسيقي المصرية في الواقع المعاصر- من تسع قوالب موسيقية – لا غير :
1 – الموال
2 – الموشح
3 – القصيد
4 – الدور
5 – التقاسيم
6 – التحميلة
7 – الطقطوقة
8 – النشيد
9 - الحوار
وهذه التسع هي كأنواع الادب العربي من قصة، رواية، مقال، نظم شعري ... وقد عملت بهذه التسع ثلاثة مدارس موسيقية متعاقبة :
1. مدرسة محمد عثمان 1840 - 1900
2. مدرسة سيد درويش 1900 - 1930
3. مدرسة القصبجي السنباطي عبد الوهاب 1930 - 1965

ثلاثة مدارس شكلت تاريخنا المعاصر ولم يخرج عملها عن القوالب التسع، بل لم يكن للفنان المصري طريقة غير هذه التسع يصب فيها الحانه أو غنائه أو عزفه.
آكان لدار" الأوبرا " علاقة بهذه ! بالموال أو النشيد أو الطقطوقة! ما علاقة "الاوبرا" بأغنية السينما المصرية؟ هل ساعدت محمد عبد المطلب في تقديم انشودته "بياع الهوي راح فين" ! أو أحلام لتنفيذ "زغروطة حلوة رنت في بيتنا" ! آكانت هي من قدم فايزة احمد أو حليم! هل راعت أو تبنت نماذج الموسيقي الشعبية المصرية المغدور بها مثل "موال شفيقة ومتولي في الحادثة الجرجاوية" ، "السيرة الهلالية" ، "العديد" ، "الحجلة البدوية" ، "المجرودة" أو موسيقي رقص الخيل أو أغاني الحصاد ؟ لا .. أبدا .. وعلى العكس كانت لنماذج الفن المصري اماكن أخري مختلفة تماما .. صوان كان أو فيلم أو كازينو أو قاعة مناسبات أو راديو، في عرس أو سمر أو عوامة أو حقل أو في فناء جامع مهيب ! هل توقف مصير احد الفنانين المصريين على مساعدة "الاوبرا"؟ كلا .. بل ربما ابتعد البعض عنها عمدا حتي لا يفقد جمهوره الحاشد من البسطاء !


إن هذه الدور لم تضع نصب أعينها القوالب المصرية التسع أو فنون الموسيقي الشعبية المصرية ! إذ لم يكن لها هدف "ترقية الفن المصري" أو حتي " العناية به " !
فإذا وجدنا حجة دفاع أخري عن "الاوبرا" كأن نقول لأنفسنا "لقد قامت هذه الدور لتقديم الأوبرات المصرية الناشئة" ! فهل سنجد حينئذ أوبرات مصرية ناشئة؟
الأوبرا هي "المسرحية الممثلة المغناة" والذي قدمته مصر فعليا من هذا النوع أوبرا واحدة هي " أنس الوجود " لعزيز الشوان والتي قدمت مكتملة – وليس جزء منها – في 1996 ! أوبرا واحدة فقط .. وإن سبقتها تجربتين، واحدة لكامل الرمالي حين سعي لأجل أوبرا "حسن البصري" ثم قدم منها في 1956 فصل واحد فقط هو الفصل الثاني! والتجربة الثانية لحسن رشيد وأوبراه "مصرع أنطونيو" والتي قدم منها في 1973 فصل واحد أيضا ! أي إن مصر تملك فعليا أوبرا واحدة مكتملة وفصلين من اثنتين منفصلتين – ناقصتين ! فهل استدعت الاوبرا الواحدة إنشاء ثلاثة دور مصرية (في القاهرة ، الاسكندرية ، دمنهور) !
إننا لا نستطيع أن نسمي أوبرا واحدة غير مطروقة "أنس الوجود" ومغمورة تماما "أوبرات مصرية ناشئة" بل " تجربة مصرية في حقل الاوبرا "
والامر لم يتوقف عند ذلك بل راحت العدوي تطوف الاقطار العربية لتقيم عمان "دار الاوبرا السلطانية" في 2011 وبوصفها "أول دار أوبرا في الخليج العربي" ثم دبي "دار أوبرا دبي" وكأن تراث الخليج العربي من "الصوت" و"غناء البحر" إنما ينسحب الان ويضمر لأن الغوث "الاوبرالي" لم يأتيه في الوقت المناسب !
وبدورها تذهب دمشق "دار أوبرا دمشق" وكأن إستنهاض الإرث السوري من "القدود" و"الموال" و"الميجانا" و"العتابا" مرهون بقيام دار للأوبرا ! أو أن التطور الموسيقي السوري المرتقب والذي سينطلق من هذا الارث يشترط وجود دار للأوبرا !
لو أن فنون مصر والعرب كانت بحاجة ل "أوبرا" لأقامتها وأنشأتها قالبا فنيا، لكن الحقيقة ان غناء "الاوبرا" لم يكن ليشغل المصريين أو أي من العرب، ومصر لم تضف الي قوالبها التسع أوبرات .. لم تضف أوبرات حقيقية ولا أضافها قطر عربي ولا نظر عربي لهذا بعين الجدية أو حفظ من نماذجها الاوروبية لحنا واحدا يردده مرة !
لم يكن الموال المصري بحاجة لها ولا التقاسيم ولا القصيد ولا الموشح، بل كانت كلها بحاجة لقاعات العرض الابسط مساحة والاكثر انفتاحا والأقل كلفة وصرامة.
ولا بأس من إقامة مسرح ما لتقديم أوبرات أوروبا في مصر ولكن ليس بهذه الكثرة وهذا الانفاق إذ ليس من بين المصريين أو العرب من يذهب لاوبرا أو يتذكر أسماء أوبرات ! والاوبرا على كل حال غناء مصطنع يصدر من الحلق بينما غناء مصر وبلاد الشرق "طبيعي" يصدر من الصدر كالكلام !
إننا لن نستطيع أن نبتكر أو نؤلف أوبرات حقيقية أبدا فالفن لا يستورد وهو ليس سلعة صناعية قابلة للتبادل ! بل هو منتج روحي، والمنتج الروحي لا ينتقل هكذا لشعب آخر! وكيف نضع أوبرات مع إنها ذبلت وتوارت في أوروبا ذاتها ومنذ حوالي نصف القرن!
لاشك إن من سعي لوضع اوبرا عربية إنما كان عليه ان يعمل لنماء النشيد والطقطوقة والقصيد، الموال والحوار الغنائي المصري، وأن يظل ينسج منها جميعا حتي يتخلق لديه شكل ارفع من الغناء .. شكل كتبادل الالحان بين عدة مطربين أو حوار المطربين أو جماعية الغناء لمطربين مختلفين ! كان على الحالم بالأوبرا أن ينظر للداخل (لفنون مصر) قبل النظر للخارج (لفنون أوروبا) .. ولا يأخذه هذا التباهي !
أكثر التباهي تعبير عن الضعف وأكثر التواضع تعبير عن القوة.

المزيد من مقالات نفس الكاتب

المزيد من المقالات

ابحث في موقعنا

شاهد في قناة الوتر السابع

أحصائيات

عدد الزوار حاليا : 3
عدد زوار اليوم : 46
عدد زوار أمس : 290
عدد الزوار الكلي : 289137

من معرض الصور